كتاب وأراء

إيران والعالم العربي

حين اندلعت ثورة إيران الإسلامية في نهاية عام 1978 بادرت بالإقدام على خطوتين كاشفتين تماماً لنوايا النظام الإيراني الجديد وسياساته المستقبلية، الأولى: طرد السفير وتسليم السفارة الإسرائيلية إلى منظمة التحرير الفلسطينية، والثانية: اجتياح الحرس الثوري لمقر السفارة الأميركية في طهران واحتجاز العاملين فيها كرهائن لأكثر من عام.. ولم يكن لذلك سوى معنى واحد، وهو أن إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية أصبحتا يشكلان، من منظور هذا النظام.
أهم مصادر تهديد الأمن الوطني الإيراني، مما يفرض عليه التعامل بحزم ليس فقط مع إسرائيل والولايات المتحدة، وإنما أيضاً مع كافة القوى المحلية والإقليمية التي تدور في فلكهما.
قبل شهور قليلة من اندلاع هذه الثورة، كان الرئيس المصري أنور السادات قد وقع على اتفاقيتي كامب ديفيد، وبعدها بشهور قليلة أبرم معاهدة سلام منفصلة مع إسرائيل، فأصيب النظام العربي بشرخ عميق، جسده انتقال مقر الجامعة العربية إلى تونس وظهور «جبهة الصمود والتصدي» بقيادة صدام حسين.. ولأنها جبهة كانت قد تأسست لتصحيح الخلل الناجم عن خروج مصر من المعادلة العسكرية للصراع العربي الإسرائيلي، كان يفترض أن تسعى للتقارب مع إيران التي أصبحت بعد الثورة الإسلامية تشكل عمقاً للعالم العربي في صراعه مع إسرائيل.. غير أن دخول صدام في حرب طويلة المدى مع إيران أدى ليس فقط إلى انهيار هذه الجبهة، وإنما إلى انشغال العالم العربي بقضايا أخرى أضعفت قدرته على مواجهة إسرائيل وموقفه من القضية الفلسطينية التي تراجع موقفها على جدول أعماله.. وحين أقدمت إسرائيل على اجتياح لبنان، مستغلة حادث اغتيال السادات في 6 أكتوبر 1981، بدأت إيران تبني لنفسها خطوط دفاع خارج حدودها، فقامت بتأسيس حزب الله، الذي نجح خلال سنوات قليلة في تدعيم صورته كأهم حركة مقاومة عربية مسلحة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، كما قامت بترسخ علاقتها بحركات المقاومة الفلسطينية المسلحة، ومن ثم بدت وكأنها أكثر إصراراً من الدول العربية نفسها على مواجهة إسرائيل، وحرصاً على القضية الفلسطينية.. وعندما اضطر الإمام الخميني «تجرع كأس السم» قبل وقف إطلاق النار مع العراق، بدا عراق صدام حسين وكأنه الدولة المرشحة لقيادة العالم العربي، غير أن إقدامه على غزو واحتلال الكويت في 1 أغسطس 1990 عمق الانقسامات العربية ووضع العالم العربي كله على حافة الهاوية.. فقد استعانت دول مجلس التعاون الخليجي بالقوات العسكرية الأميركية من أجل «تحرير الكويت»، وبعد «التحرير» اهتزت ثقتها تماماً في النظام العربي، وضعف تأييدها للقضية الفلسطينية، وتحولت إلى دول داعمة لتسوية على نهج كامب ديفيد، ومن ثم شاركت في «مؤتمر مدريد» الذي لم يفض إلى أي تسوية. أما العراق فقد وقع تماماً تحت الهيمنة الأميركية المنفردة إلى أن قرر بوش الابن احتلاله عام 2003، متذرعاً بأحداث سبتمبر عام 2001، مقدماً بذلك أكبر هدية لإيران.. وقد حاولت إسرائيل استغلال أوضاع العالم العربي المضطربة لتصفية حزب الله، بإعلان الحرب على لبنان عام 2006، ثم لتصفية حماس نهاية 2008 وبداية 2009، بإعلان الحرب على قطاع غزة، لكنها فشلت في الحالتين وبالتالي لم تتمكن من إضعاف النفوذ الإيراني في المنطقة.. ثم جاءت ثورات «الربيع العربي» التي اندلعت ضد أنظمة الاستبداد والفساد في عدد من الدول العربية نهاية عام 2010 وبداية عام 2011 لتضع المنطقة كلها أمام تحديات وفرص جديدة.. ومرة أخرى استطاعت إيران إدارة هذه المرحلة بطريقة مكنتها من مواجهة التحديات وانتهاز الفرص لتوسيع نفوذها في العالم العربي.
واليوم، تعتقد بعض الدول العربية أن النفوذ الإيراني في الدول العربية تجاوز كل الخطوط الحمراء.
بقلم:د. حسن نافعة

د. حسن نافعة