كتاب وأراء

تحرير الأخبار: أين يوجد «المراقبون»؟!

نقرأ في الصحف ونسمع في نشرات المسموعة والمرئية تعابير على غرار
«يقول المراقبون» أو «يعتقد المراقبون» وفي أحيان «يرى المراقبون»..ظني أن هذه التعابير استهلكت وابتذلت إلى حد لم تعد تعني شيئاً..المؤكد أن المحررين عندما لا يجدون مصدراً واضحاً تنسب إليه المعلومات، وربما عندما يريدون تضمين عن رأيهم الشخصي في التقرير، يلجؤون إلى تعابير مثل «في رأي المراقبين».
الثابت إننا لا نعرف على وجه التحديد من هم «هؤلاء المراقبين» وأين يوجدون، ببساطة لأنهم «كائنات وهمية» يوجدون فقط في أذهان المحررين الذي يعتقدون أنهم يكتبون بموضوعية.
سأروي لكم واقعة..في ثمانينات القرن الماضي عمدت الكثير من وسائل الإعلام العربية والأجنبية إلى اعتماد مراسلين في المغرب، وأحياناً فتح مكاتب.
كان المغرب أضحى وقتها قبلة «القمم العربية».
من قمة الدار البيضاء إلى قمة الرباط إلى قمم فاس. ? كان معظم المراسلين يعملون مع وسائل إعلام أوروبية خاصة الوكالات والصحف والإذاعات، لكن كان هناك مراسلون لبعض وكالات الأنباء العربية، منها وكالة الأنباء القطرية ووكالة الأنباء الجزائرية ووكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية، ووكالة الأنباء العراقية، إضافة إلى مراسلي بعض المجلات العربية التي كانت تصدر في أوروبا..كان من بين المراسلين البارزين الذين عملوا خلال تلك الفترة في المغرب «رولاند ديلكور» مراسل صحيفة «لوموند» الفرنسية.
المفارقة أن ديلكور سيتحول نفسه إلى قصة إخبارية مشوقة، عندما قررت السلطات المغربية طرده من الرباط. قصة سال حولها الكثير من المداد، خاصة أن الذي اتخذ قرار الطرد لم يكن سوى العاهل المغربي الراحل الملك الحسن الثاني نفسه.
كان ديلكور يعمل مراسلاً لصحيفة «لوموند» في القاهرة، قبل وصوله المغرب.
خلال تلك الفترة زار الخرطوم عدة مرات..عندما جاء للمغرب وتعرفت عليه وجدت أن لدينا عدداً لا بأس به من الأصدقاء المشتركين في القاهرة والخرطوم.
توطدت علاقتي مع «رولاند ديلكور»..كان هناك، وما يزال، اهتمام كبير بصحيفة «لوموند» وسط النخبة الفاعلة وأصحاب القرار في المغرب، لذلك كان ديلكور محظوظاً، يتوفر دائماً على أخبار مهمة لكنه لا يكتب إلا ما يروقه..كنت في الواقع أقتات منه ولم يبخل علي، ظل سخياً. كان مصدراً من المصادر التي يعتد بها. يجب القول الآن إنني استفدت منه كثيراً..عمل ديلكور لفترة قصيرة في المغرب أظن أنها كانت اكثر من سنة بقليل.
ذات يوم كتب رولاند ديلكور تقريراً حول وفاة الجنرال أحمد الدليمي، أثار عليه غضب السلطات العليا في المغرب.
كان الدليمي شخصية واسعة النفوذ في المغرب، ظل سنوات يتولى قيادة القوات المسلحة المغربية في الصحراء، وكذلك كان تحت أمرته جهاز المخابرات الخارجية.
توفي الدليمي في يناير 1983، وقال وقتها بيان رسمي إنه توفي في حادثة سير قرب مراكش..طرد رولاند ديلكور من المغرب بعد أن اتهم بنشر خبر زائف، وكان قرار الإبعاد لتفادي تقديمه للمحاكمة بعد أن نشر تقريراً يشكك في الرواية الرسمية لوفاة الجنرال أحمد الدليمي..خلال التحقيق معه في مفوضية الشرطة في الرباط سئل ديلكور عن المصدر الذي زوده بالمعلومات لكنه رفض الإدلاء بإيضاحات في هذا الشأن..عندما وصل ديلكور إلى باريس اتصل بي، عندما سألته: هل صرحت بمصدر خبرك؟
كان سؤالاً ساذجاً لكنني سألته على كل حال..أجاب لو كنت قلت لهم ما هو المصدر لما عدت إلى باريس، بل كنت سأحتسي كأس قهوة في «مقهى باليما»..كان ديلكور من المدمنين على «مقهى باليما» أشهر مقهى في الرباط ويقع قبالة مبنى البرلمان في وسط العاصمة المغربية.
سألته يومها بسذاجة: يا مسيو ديلكور لماذا لم تنسب الخبر «للمراقبين»؟ أجاب: لأنهم لا يوجدون.

طلحة جبريل