كتاب وأراء

ماذا لو أن جداتنا كن يكتبن، وكتبن نصوصهن...!!


هناك تصور خاطئ في أن العلم والثقافة محصورة بالكتابة والقراءة، وأن كل من لا يكتب ولا يقرأ فهو جاهل، وأن الأمية هي رديف الجهل، ولكن من يقول هذا هو من يقوم بحفظ أشعار امرئ القيس وهو من يقرأ لطه حسين دون أن يسأل هل كان أي منهما يقرأ ويكتب، وهما مثالان عن ظرف ثقافي أو ظرف صحي بسببه كان كل واحد منهما لا يقرأ ولا يكتب ولكنه رائد في فنه وقدوة لغيره، ومثل هذا ما يوحي به عنوان توريقتي هذه عن جيل الجدات اللواتي ما كن يقرأن ولا يكتبن ولكنهن تركن في ذواكرنا أثرا عظيما عن حكمة وثقافة نظل نتوارثها ونتذكرها ونشعر معها أن جداتنا كن مصدر الوعي العميق في بيوت كانت تسهر مع حكاياتهن وما يروينه عن جيل سبقهن، أو ما يقدمنه من توجيه مبني على التجارب وعلى خبرة في الحياة تجعلهن يتفوقن معنويا وروحيا وذهنيا تفوقا يجعل الجيل الذي يسمي نفسه متعلما يلجأ إليهن طلبا لرصيد معنوي هائل تصحبه لمسات من الحنين والبلسم الروحي، وهي خلاصة ثقافية يتم اكتسابها عبر وسائل غير الورقة والقلم، ومصادر المعرفة تتنوع عبر الأذن والعين، وكلها ممرات تصل للذهن الذي يستقبلها ويمحصها ثم يعيد إنتاجها حسب مهارة الذهن،وبالتالي فإن الأمية ليست هي الجهالة، كما أن القلم والورقة ليستا هما المعرفة، وكم من قارئ كاتب لم يفده ذلك فلا هو حكيم ولا هو فهيم، وهنا نرى مقدار توهماتنا في التمييز بين المفاهيم ونحن نرى أن معظم الجهلة وكبار مجرمي العالم في الحروب وفي التعديات في العالم هم من حملة الشهادات الورقية، في حين نرى الحكمة عند جداتنا، وكذلك فإن دائرة المعرفة السمعية والبصرية اليوم تتسع لتكون منافسة قوية للورقة والقلم وتجعل المعرفة تعم عند الكل، ولم يعد تعلم الكتابة والقراءة علامة قسرية لا للعلم ولا للجهل، والوقائع قديما تكذب الربط بين الجهل والأمية، والشاهد المعاصر يوفر أمثلة جديدة، ولاشك أن الجهل سيجد طريقه على البشر بحيله الماكرة التي ليس منها الأمية.

عبدالله الغذامي