كتاب وأراء

طبيعتنا الانقسامية

خلقنا الله من ذكر وأنثى قبل أن نصبح قبائل وشعوباً وطرائق قدداً.. كان من المستحيل علينا (كأسرة بشرية) أن نتطور بشكل موحـد أو داخل قالب ثابت ومشترك.. فـالتفرع والتمايز والانعزال الجغرافي بلور لكل شعب هوية فريدة وثـقـافة مختلفة - وأصبح بإمكاننا نحن تمييز كل شعب من خلال لغته وتقاليده وأخلاقه وطريقة لباسه..
ورغـم تحول العالم إلى قرية صغيرة إلا أن انقسام المجموعات البشرية مايزال مستمراً بسبب طبيعة الإنسان نفسه.. فإن لم تتبلور المجتمعات على أساس ثقافي وسياسي وعرقي سرعان ما تـتبلور على أساس جغرافي ومذهبي وفئوي بين أبناء الشعب والدين والواحد!!
.. المشكلة تكمن في طبيعة تفكيرنا التي تنطلق دائماً من «نحن» و«هــم».. فنحن الأذكياء وهم الأغبياء، نحن الصالحون وهم الطالحون، نحن شعب الله المختار وهم في الدرك الأسفل من النار.. وكلما كثرت عناصر التمايز وصغرت دائرة الاصطفاء كلما شعرت «الطائفة» بالانسجام وزاد لدى أفرادها الشعور بالاستعلاء والشعور بسلامة الموقف - كونهم رموا بكل الصفات القبيحة على الفئة الأخرى!!
... في حال لم نستوعب هذه الآلية يصبح تقسيم أي مجتمع بهذه الطريقة ظاهرة خطيرة قد تتحول لحروب أهلية أو مذابح حقيقية عند أدنى انهيار أمني (كما حدث في سوريا والعراق وقبلها البوسنة وأفغانستان)..
لهذا السبب يجب على الجميع (وفي مقدمتهم الدولة) محاربة أي تصنيفات عنصرية أو مناطقية أو دعوات كراهية من شأنها تقسيم المجتمع أو الإساءة لأي مجموعة فيه..
والحقيقة هي أن أي تصنيفات أو تقسيمات من هذا النوع بطبيعتها خاطئة وشمولية وعمياء وغـير دقيقة:
- فهي شمولية لأنها موجهة ضـد أفراد ومجموعات لا تنطبق عليهم الصفة الرائجة (وهذا لوحده كفيل بهدم فكرة التعميم من أساسها)..
- وهي عمياء لأنها تمنع صاحبها من رؤية عيوبه وتبقيه مقتنعاً بسلامة منهجه والفكر الذي خرج به (وهو ما قـد يفسر افتراق أمة محمد على ثلاث وسبعين فرقة كل يظن أنه الفرقة الناجية)!!
وهي غير محكمة لأنها لم تبن على براهين مشاهدة أو مواقف شخصية مباشرة بل تعتمد غالباً على الظن والهوى والترجيح والتحزب (وهو مادعا المصطفى صلى الله عليه وسلم للتحذير أصلاً من فكرة التكفير مهما بدت الأسباب قوية في قوله: من كفر مسلماً فقد كفر)..
أضف لكل هذا أن نظرتنا «للآخر» لا تتشكل غالباً من خلال منظور واقعي أو حتى شخصي.. فنحن نتناقلها غالباً كموروث اجتماعي وموقف تاريخي نتبنى من خلاله رأي أسلافنا في هذه الجماعة أو تلك المجموعة!
... البديل باختصار هو قوله تعالى: (إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)..

فهد عامر الاحمدي