كتاب وأراء

تغيرات في علاقات بكين ــ بيونغيانغ

قلنا في مقالات سابقة إن نظام بيونغيانغ لا يشكل تهديدا لخصومه المعروفين في سيئول وطوكيو وواشنطون فحسب، وإنما هو أيضا تهديد لجارته الصينية المدافعة الوحيدة عنه في المحافل الدولية، بل وسبب استمراره على قيد الحياة حتى الآن. ولسنوات طويلة كابرت بكين ولم تعترف بكل البراهين الدالة على خطورة هذا النظام، لسبب وحيد هو إمكانية استخدامه كمخلب قط ضد منافسيها الإقليميين والدوليين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة. لكن ما حدث أخيرا يشي إلى تحول مهم (وإن بدا أقل من المطلوب) في موقف بكين حيال بيونغيانغ، ولكأنما أدركت الأولى أخيرا صواب ما كان يحذر منه المراقبون.
نعم لقد شاب علاقات بكين - بيونغيانغ بعض التوتر في العام الماضي على إثر تأييد الصين لقرار مجلس الأمن رقم 2371 القاضي بتشديد العقوبات المفروضة على كوريا الشمالية بسبب تجاربها النووية والصاروخية، غير أن هذا التوتر يبدو أنه سيستمر وسيتضاعف خلال العام الجاري.
ولأن بكين تتخوف من أمرين محددين هو تداعيات انهيار نظام بيونغيانغ المخيفة على أمنها الوطني في صورة تدفق الملايين من الكوريين الشماليين عليها عبر الحدود المشتركة، والتداعيات الإشعاعية الناجمة عن تجارب كوريا الشمالية على مواطنيها ومحاصيلها وبيئتها، فإنها (أي بكين) قامت مؤخرا بالعديد من الإجراءات التي لقيت امتعاضا في بيونغيانغ.
من هذه الإجراءات نصب كاميرات حساسة على طول الحدود المشتركة لرصد أي تحركات، مع وضع أجهزة متطورة للكشف الإشعاعي. ومنها أيضا قيام السلطات الصينية بحملة في مدينة «داندونغ» الحدودية التي تعتبر جسرا للتجارة البينية لتشجيع سكانها على الإبلاغ فورا عن أي تحركات مشبوهة يقودها كوريون شماليون.
إلى ما سبق نشرت السلطات الصينية نقاط تفتيش ومراقبة على طول نهر «يالو» الفاصل بين البلدين للحيلولة دون استمرار ظاهرة قدوم مواطنين جائعين من كوريا الشمالية إلى الجانب الصيني لصيد الأسماك. فخلافا لما كان يحدث في الماضي باتت قوارب هؤلاء عرضة للمصادرة فيما يجري القبض على أصحابها ويـُعاد ترحيلهم من حيث جاؤوا.
أما عند «سد سوبونغ» الحدودي حيث تعمل محطة كهرومائية لتزويد المناطق المحاذية في البلدين بالطاقة فقد قامت بكين بتشديد إجراءاتها أيضا من خلال وضع كاميرات مراقبة، الأمر الذي بات من الصعب معه على الكوريين الشماليين الاقتراب. وبالتزامن مع هذا الإجراء الأخير أسست بكين مؤخرا قرى حدودية محمية بوحدات شبه عسكرية مهامها التصدي لكل كوري شمالي يحاول الانتقال إلى الصين عبر الاستفادة من تجمد مياه نهر «تومين» الحدودي.
من الأمور الأخرى، حملة قام بها الحزب الشيوعي الصيني الحاكم على شبكات التواصل الاجتماعي تحت يافطة «تعزيز الأمن الوطني وامتلاك حس المسؤولية» هدفها تثقيف المواطن الصيني بمخاطر نزوح الكوريين الشماليين. وتقول مصادر كورية جنوبية مطلعة إن هذه الحملة الصينية نجحت في تراجع أعداد الكوريين الشماليين المتسربين إلى الصين.
المعروف أيضا أن الصين عانت كثيرا من النشاط الإشعاعي لتجارب بيونغيانغ النووية بسبب إجرائها في منطقة لا تبعد عن الأراضي الصينية إلا بنحو 80 كيلومترا فقط، بل أن تلك التجارب تسببت في هزات أرضية شعر بها الصينيون من سكنة المناطق الحدودية. وقد أحدثت هذه التطورات ردات فعل غاضبة في بكين جعلتها تقوم بإنشاء محطات لمراقبة الإشعاعات ذي المصدر الكوري الشمالي مع تحذير مواطنيها من تداعياتها الصحية والبيئية الخطرة، وتوجيه إرشادات لهم حول كيفية التصرف في حالة شعورهم بأشياء غير طبيعية.
الملاحظ هنا أن معظم الإجراءات الصينية استهدفت رعايا كوريا الشمالية المقموعين ولم يستهدف النظام الذي تسبب في عزلتهم وإفقارهم، إلا إذا اعتبرنا أن استهدافهم رسالة ضغط على نظام «كيم جونغ أون».

بقلم : د. عبدالله المدني

د. عبدالله المدني