كتاب وأراء

البشير واصطياد (القطط السمان)


- 1 -
لا حديث في صحف الخرطوم، ومجالسها الاجتماعية، أعلى صوتاً من الحديث عن مُحاربة الفساد وضرب أوكاره. الحكومة السودانية، كانت في السابق تُقلِّل وتزدري الأحاديث عن وجود فساد، يحدُّ من قدرات الدولة، ويُضعِفُ إمكانياتها، ويمتصُّ خيراتها لتغذية المصالح الخاصة.
الأزمة الاقتصادية الخانقة، والاستياء الجماهيري الواسع، من ارتفاع الأسعار، جعل التحدِّي الاقتصادي أهمَّ التحدِّيات التي تُواجه حكومة الرئيس عمر البشير.
ولم يترك أمامها من خيار سوى التصدِّي بقوة وحزم لكل ما يُؤدِّي لتصاعد الأزمة، والتضييق على معاش المواطنين.
لا تحدِّي أكبر من الاقتصاد في مواجهة الرئيس البشير، وهو يُواجه استحقاق الانتخابات القادمة بعد عامين.

- 2 -

المعارضة المُسلَّحة في دارفور انحسر نشاطها في أضيق حيِّز، عقب التوقيع على وثيقة الدوحة وارتفاع صوت السلام، وعودة أعداد كبيرة من النازحين إلى قراهم التي أنشأتها دولة قطر كقرى نموذجية، فعلت ذلك بكرم ودعمٍ أميريٍّ سخي، لم يبخل بشيء من أجل دعم الاستقرار وتحقيق السلام في دارفور.
الحركة الشعبية الحاملة للسلاح في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق عصفت بها الخلافات وأوهنت عمادها العسكري، وبات لا خيار لها غير الوصول لاتفاق سلام مع الخرطوم.

- 3 -

كُلُّ التعديلات الأساسية التي تمَّت خلال الأيام الماضية في أجهزة الدولة السودانية، خاصة جهاز الأمن والمخابرات وقيادة الحزب الحاكم والتعديلات المتوقَّع حدوثها في كابينة الطاقم الاقتصادي، الهدف منها احتواء الأزمة الاقتصادية ورفع المعاناة عن كاهل السودانيين.
في أكثر من مكان، وأكثر من مرَّة، توعَّد الرئيس عمر البشير، المُفسدين بالويل والثبور.
مع كُلِّ ما قيل عن القرارات والإجراءات الاقتصادية الأخيرة، تجد الصوت الشعبي الأعلى هو: المُطالبة بضرب أوكار الفساد وواجهاته.

- 4 -

الرئيس «عمر البشير» توعد قبل أيَّام من سمَّاهم «القطط السمان» بمزيدٍ من الإجراءات الاقتصادية، وقال: سنمضي في المعالجات الاقتصادية للآخر.
وقال إن الدولة عازمة على قطع الطريق أمام المُتربِّصين والمتاجرين ومُروِّجي الأزمات بين الشعب السوداني.
وعلى ذات نهج البشير، ولغته التهديدية، دعا الفريق أول مهندس صلاح عبدالله المدير العام لجهاز الأمن والمخابرات السوداني، إلى التكاتف والتعاون بين القوات النظامية لحسم المُتلاعبين بقوت الشعب وأمن البلاد، مؤكداً أن البلاد أمام تحدِّيات تقتضي العزم والحزم وعدم الالتفات إلى الوراء.

- 5 -

هناك شعورٌ عام بأن الحكومة مُتراخية في إدارة الملفِّ بكُلِّ جدية وحزم، حتى تنقل محاربة الفساد من مستوى الشعار إلى واقع التطبيق.
الظرف الآن مُواتٍ لتسليط الضوء في كل الأماكن المُعتمة والزوايا المُظلمة، التي تختبئ فيها خفافيش الفساد.
الخطأ الأكبر الذي ظَلَّتْ تقع فيه الحكومة، أن تجاوزات منسوبيها– في كل مستويات إدارة شأن السلطة– كانت تُرحَّل (للحساب العام) ولا يُسدِّدُها المُخطئون من حساباتهم الشخصية بالجزاء والعقاب.
يبدو أن حديث مُعارضي الإنقاذ وشانئيها المُتكرِّر عن الفساد والتجاوزات، واستخدام ذلك في معارك السياسة، جعل الحكومة تتعامل مع هذا الملفِّ بقليلٍ من الحساسية، باعتبار أن كُلَّ ما يُقال ما هو إلاّ مُحاولات عدائية لضرب مشروعها الوجودي، بتشويه صورتها الأخلاقية. وبذا أصبحت (المناعة) التي اكتسبتْها ضدَّ أخبار واتهامات الفساد، مظلة مناسبة لبعض المُفسدين لتمرير أخطائهم وتجاوزاتهم بهدوءٍ، لا سيما أن الجسد السياسي أنتج من الأجسام المضادة ما هو كفيلٌ بدحر كُلِّ الاتهامات بتصويرها مكائد سياسية.

-أخيراً-

من مصلحة الحزب الحاكم في السودان أن يجعل كُلَّ فردٍ من عضويته حاكماً أو محكوماً يدفع فواتير أخطائه من حسابه الشخصي لا من حساب الحزب.

بقلم : ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال