كتاب وأراء

السعادة المجانية

- قلّ من وهب لذة اجترار النعم واستشعارها قُبيل ضياعها.
- قليلون من رزقوا التلذذ بماضي الذكريات، وبمضارع الممنوحات أوبالاستبشار برياح القابل من المِنَح.
- ندر من أؤتي شرهاً في العسعسة عن المباهج، فيلتفتون لتسابيح الحساسين بسويعات البكور وأقل منهم من ليسوا بحاجة لمفاجأة من العيار الثقيل لدفع منسوب سعادتهم لشاهق، هؤلاء الذين حباهم الجليل بقدرة إعادة الشحن، كناقة لا تحتاج سوى لجرة مياه وقليل العُشب لرحلة الحياة، وإن شاقة.
- هؤلاء المطمئنون برؤية قوارير مؤن بيوتهم ولو نصف ممتلئة، فكل زر يكبسونه ويعمل لماكينات دارهم، يُسهم بسهٍم يضوي بالأخضر ببورصة راحتهم.
- لهم قسطهم من الرزايا، وقد يثرثرون عن أحزانهم الصغار، لكنهم يتباكمون عن شيخ الأحزان إلا بُغية استشارة حكيم. يخذلهم شتائهم بوابل الدمع لإفساد محاصيلهم، فيصبرون لحصاد موسم ربيع البسمات، حتى أعيوا سارق الفرح، فعجز عن نشل محافظ مباهجهم، إلا كلص، اقتنص الفكة وترك المجوهرات والأصول.
- اعرف واحدة منهم، يخرج أبناؤها وزوجها صباحًا كٍل لمساره، فترتد لدارها ويكأنها تدخله لأول مرة، فتطالع اللوحات على الجدران كأنها تفاجئ بهدايا جديدة وصلتها.
- تجلس على الأرائك، فتخالجها مشاعر مخملية كتلك التي زارتها صَبيحة يوم أشاحت من عليها الأوراق البلاستيكية غرة يوم وضِعَت بدارها.
- تدعس قدماها البُسط، فتغوص في رفاهٍة وتذكر صعوبات البدايات، فلكم بِاتت في دور حليقة من أعاجم السجاد.
- قلة من تذكرهم رائحة الليمون بالعسل، بأنه قد حيزت لطفولتهم قدرًا من العناية بهم في مرضهم. هؤلاء يستبشرون بعشاء عائلي، بفطور جُمَعي ويطربون لو عثروا على ليمونة بالبراد حال لزمتهم لتبهير غموسهم.
- قلة يشهقون غبطة حين تقع أعينهم على حرف أنيق أوفكر عميق.
- قلة من يدركون احتفاء القدر بهم لو وجدوا منفذًا لصف مركبتهم فيما سواهم يلف ويدور.
- تقر أعينهم وينامون، بُعيد وصولهم لبيوتهم ثم يكتشفون أن الوقود قد نفد مباشرة عقب الوصول.
- آنية فضية عتيقة، كأس براق، محارم زهرية، فخاريات موروثة أونحاسيات القدور، يصفها العامة كحطام للدنيا، هكذا حطام يَصُبُّ عليّ- القِلة- سطلاً من عصير السرور.
- قلة يستشعرون ضياء النور ساطعًا، لا حسرةً بُعيد انقطاع الكهرباء.
- قلة يعلمون أن المَسَرّة ليست حالة سرمدية، بل طيف متذبذ كالموجود بأجهزة قياس ضربات القلب. لذا، فبكل مرة يشغلون محرك السيارة، فيعمل، يرن في أذانهم جرسًا ينبههم لتناول لحظة التساهيل ومضغها بتمهل ليعملقوا طيف البهجة بشكل مستوٍ ومدرك لكافة النعم، الممنوح منها والممنوع، المعلوم منها والمجهول.
- صورهم مع أحبتهم يعلقونها لتذكرهم أنه مهما زارتهم ساعات الكدر، إلا أن حياتهم ضجت بحلو الأوقات، فيستبقون شعور السرور طازجًا.
- قد يلحدون عن إبداء فرحتي مخافة الحُقّاد، كما لا يتباهون بمباهجهم أمام الحزانى، لكن تظل قلوبهم مؤمنة بأن السعد مولود من أرحام الأيام النَكِدات التي ستموت فيما سيعيش جنين الفرح.

بقلم : داليا الحديدي

داليا الحديدي