كتاب وأراء

تفكيك الضغوط الأميركية على الفلسطينيين في عملية السلام


وفقا لعديد الشواهد، لا تكف الإدارة الأميركية الحالية عن تصعيد الضغوط السياسية على الفلسطينيين للقبول بما يخدم إسرائيل وحدها في أية عملية للسلام قد تتم في الأجل المنظور. ومع أن ذلك كان ديدن الإدارات السابقة، إلا أن إدارة ترامب فاقت الجميع منها في التعامل مع القضية بالضغط والإكراه الصريحين لصالح إسرائيل. وما التهديدات بوقف المساعدات المالية، وكذلك وقف تمويل الأونرا، ومن قبل الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، إلا مقدمات لما تخططه هذه الإدارة للإجهاز تماما على القضية الفلسطينية.
هذه الشواهد ثبتت بمواقف وقرارات صدرت بالفعل من جانب إدارة ترامب طوال الفترة القصيرة الماضية بدعوى أنها أمور تشجع إسرائيل على قبول تسوية نهائية ودائمة للصراع مع الفلسطينيين، وفي نفس الوقت تضع الطرف الفلسطيني أمام أمر واقع يجبره على العودة إلى المفاوضات التي ستقود، وفقا لما صدر عن المسؤول الفلسطيني صائب عريقات في يناير الماضي، إلى حل الدولة الواحدة ذات النظامين هو بالنسبة للفلسطينيين مجرد تأسيس لحكم ذاتي أبدي وليس إقامة دولة لهم. وبهذا المعنى لا يتعين الحديث عن القضية الفلسطينية من الآن فصاعدا. وجديد الأخطار أن الإدارة الأميركية الحالية تعمل في هذا الاتجاه. عند هذا المنحنى الخطير كان من الضروري عربيا وفلسطينيا اتخاذ تحرك يجهض مخططا كهذا من ناحية ويقدم بديلا للعالم من ناحية أخرى.
وفي هذا الإطار جاءت زيارة يوسف بن علوي بن عبدالله الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية لسلطنة عمان لرام الله وبتوجيهات من جلالة السلطان قابوس لتمثل أحد أفضل التحركات لدعم الفلسطينيين وهم في محنتهم السياسية المعاصرة ولطرح رسالة سياسية للعالم كله تتضمن المبادئ التي يتعين العمل بها للوفاء بمتطلبات القضية الفلسطينية وكيفية إقرار سلام عادل في الشرق الأوسط.
وتأكيدا لذلك زار بن علوي المسجد الأقصى وكنيسة القيامة وفقا لما ذكرته وكالات الأنباء ليعطي للزيارة معناها من حيث التضامن الصادق مع القضية. والرسالة هنا أن القدس التي قررت إدارة ترامب الاعتراف بها عاصمة لإسرائيل هي عربية وإسلامية ووراءها من يتمسك بهذه الهوية.
وكان من اللافت أيضا ما قاله بن علوي عند وصوله إلى رام الله: «إقامة دولة فلسطينية أصبحت ضرورة استراتيجية للعالم.. كانت هناك رغبة عالمية لإقامة إسرائيل بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية وقامت إسرائيل، فالآن إقامة دولة فلسطينية أصبحت ضرورة استراتيجية لكل العالم.. إن العالم لا يتحمل المزيد من العنف والتدمير».. وفي تصريحات أخرى قال بن علوي: «لا يمكن تحقيق الاستقرار والتطور وبناء ثقافة التسامح إلا بقيام دولة فلسطينية بكامل أركانها».
هذه التصريحات تجسد رؤية تضع يديها على موضع الداء وتقدم الدواء بعبارات شديدة الإيجاز ولكنها في الصميم تماما. هي موجهة للعالم كله وليس للفلسطينيين أو العرب وحدهم، والإشارة المهمة إلى العالم، وفقا لقراءتنا لهذه التصريحات، تعني أن الحل يجب أن يكون مسؤولية العالم كله لأن القضية تؤثر عليه مثلما تؤثر على الفلسطينيين والعرب، ومن ثم يجب أن تكون هناك مقاربة جديدة لعملية السلام بالبحث عن تصور دولي عبر مجلس الأمن مثلا بإصدار قرار دولي جديد فيه ملامح الحل متطلبات تنفيذه والتزام العالم بذلك، ولتكن الولايات المتحدة طرفا فيه جنبا إلى جنب مع بقية الأعضاء الدائمين في المجلس. أوليس الاستقرار والتطور وبناء ثقافة التسامح في الشرق الأوسط هو من مصلحة العالم كله وليس الفلسطينيين والعرب وحدهم؟. وقد أثبتت التجربة على مدى السنوات الطويلة الماضية أن ما وقع من أزمات في المنطقة انطلق من عدم قيام الدولة الفلسطينية بكامل أركانها، وحيث الأمر كذلك فإن قيامها بهذا الشرط كفيل بتحقيق الأمن والسلام للعالم كله. الرسالة التي يجب أن يعيها المجتمع الدولي اليوم هي أنه قصر في القيام بواجبه نحو إقامة الدولة الفلسطينية وأوكل المهمة لطرف واحد هو الولايات المتحدة التي لم تنجح حتى الآن في هذه المهمة. لقد حان وقت تصحيح المسار.
بقلم : د. عبدالعاطي محمد

عبدالعاطي محمد