كتاب وأراء

انتكاسة في سوريا

تبخرت الآمال بقرب التوصل لتسوية سياسية في سوريا تستعيد معها الاستقرار والوحدة والسيادة الكاملة.
فيما تواصل قوات النظام معاركها لاستعادة السيطرة على المزيد من المناطق وآخرها الغوطة الشرقية، تتفاقم أزمة الثقة بين الأقطاب الدوليين خاصة روسيا وأميركا، فلا جولات جنيف ساعدت في خلق التفاهمات المطلوبة للسير في عملية الانتقال السياسي، ولا تسويات«أستانا» ومؤتمر سوتشي قرَبت السوريين من التوافق على برنامج موحد للمرحلة المقبلة.
الانتكاسة بدأت بالتحول في المقاربة الأميركية حيال الوضع السوري. فبعد أن تهيأت واشنطن للانسحاب عسكريا من سوريا، عادت لتؤسس لوجود طويل الأمد في المناطق الشرقية والشمالية للبلاد.
البنتاغون الأميركي خصص أزيد من نصف مليار دولار في موازنة العام المقبل لتسليح قوات سوريا الديمقراطية وتدريبها، وتأسيس مليشيات حرس الحدود مع العراق.
من جانبها دفعت تركيا بقواتها المسلحة للسيطرة على عفرين ومحيطها، بتفاهم مع الروس وتفهم من قبل واشنطن. المرجح وفق أحدث التقديرات أن تركيا ستؤسس لوجود طويل المدى في العمق السوري، عن طريق إقامة منطقة عازلة بعمق 30 كيلو مترا، لتعزز بذلك وجودها في ريف أدلب.
إسرائيل باتت الحاضر الدائم في السماء السورية، ورغم إسقاط إحدى طائراتها الحربية في الهجوم الأخير على قواعد ومعسكرات سورية، إلا أن مقاتلاتها لن تتردد بالتحليق ثانية في الأجواء السورية واستهداف مواقع عسكرية سورية وإيرانية.
نتانياهو المحاصر بفضائح الفساد وغسيل الأموال، يحتاج لهذا التصعيد مع إيران وحزب الله لإنقاذ استكمال ولايته حتى العام المقبل، وتجنب المحاكمة بتهم مشينة.
إيران غير مستعدة، وبعد كل هذه التضحيات التفريط بمكاسبها في سوريا والمنطقة، وستبقى إلى جانب روسيا التي أسست لنفسها وجودا دائما لا يقبل المساومة.
جميع القوى الدولية والإقليمية في الميدان متمسكة بمواقعها ولا ترغب في التخلي عنها، وتخشى من أية تسوية سياسية ستكون على حسابها.
مثلما قال الكاتب الأميركي توماس فريدمان في مقال له قبل أيام، كل القوى المنخرطة في الصراع السوري لا تريد الحرب وتتجنبها، لكن تطورا غير محسوب يمكن أن يتحول لمواجهة مفتوحة تأخذ المنطقة كلها لحرب إقليمية كبرى.
ولهذا السبب تعمد مختلف الأطراف إلى تجنب الاحتكاك المباشر وتعتمد على مقاتلين بالوكالة لتأمين مناطق نفوذها.
وخلال الهجوم الإسرائيلي الأخيرة شهدنا نموذجا قاتلا لما يمكن أن يكون عليه الحال لو تطورت العملية لصدام مباشر، نجح التدخل الروسي بمنعه في اللحظة الأخيرة.
ما من شك أن الطرفين الإيراني والإسرائيلي لا يفضلان الحرب أبدا. الخسائر على الجانبين ستكون ثقيلة ومؤلمة، وقد تدفع في لحظة جنون باستخدام أسلحة فتاكة يتعدى أثرها حدود المعركة وميدانها.
ليس في الأفق اليوم عملية دبلوماسية فعالة يمكن أن ينتج عنها اختراق سياسي كبير. أطراف الصراع فقدت الثقة بقدرة «جنيف» على إنتاج حل مقبول في غياب الإرادة الدولية. أما عملية أستانا فإن مكسبها الرئيسي والمتمثل بمناطق خفض التصعيد مهدد هو الآخر بالضياع جراء التطورات الميدانية الأخيرة في الشمال والجنوب السوري.
استنزاف سوريا مستمر، وخطر التقسيم يطل برأسه من جديد.
بقلم : فهد الخيطان

فهد الخيطان