كتاب وأراء

مصالحة بين الفاتيكان والصين

يوجد في الصين 12 مليون كاثوليكي ينتمون إلى الفاتيكان.
في عام 1949 قامت الثورة الشيوعية في الصين، وفي عام 1951 قطع الفاتيكان علاقاته مع بيجين على خلفية ان الثورة تنكر وجود الله، وتتدخل في الشؤون الداخلية للكنيسة، غير ان هذا الأمر لم يقتصر على الكنيسة الكاثوليكية فقط، ولكنه شمل جميع الكنائس والأديان الأخرى بما في ذلك الإسلام.
فقد حصرت الدولة الشيوعية حق إدارة الشؤون الدينية بها وحدها، وتولت هي منفردة اختيار العناصر التي تطمئن اليها من المنتمين إلى الأديان والكنائس المختلفة لإدارة هذه الشؤون باسمها وبمرجعيتها.
وفي عام 1959 عمدت الحكومة الشيوعية إلى انشاء الهيئة الوطنية الكاثوليكية وعهدت إليها إدارة الكنائس التي كانت تابعة للفاتيكان.
لم يعترف الفاتيكان بهذه الهيئة ولا بحق الصين الإشراف على الكنائس، ولكنه اضطر فقط إلى الموافقة على صلاحية الكهنة المنضوين في الهيئة في إقامة الصلوات الكنسية، استمراراً لعمل الكنيسة.
وفي الوقت ذاته عمد الفاتيكان إلى إنشاء مجلس كنسي سري من وراء ظهر الحكومة الصينية ليتولى باسمه وبإشرافه إدارة الشؤون الكنسية.
وتولت الصين طرد السفير البابوي عام 1951، ومنذ ذلك الوقت والعلاقات مقطوعة بين المرجعيتين.
أما الآن فإن صفحة جديدة على وشك أن تفتح وسيكون بطلها البابا فرنسيس، أما شروطها فليست كلها في مصلحة الفاتيكان. لذلك ترتفع أصوات معارضة حتى من داخل الفاتيكان تحذر من نتائج قبول الفاتيكان تدخل الحكومة الصينية في تسمية الأساقفة وتحديد مواقعهم وسلطاتهم المحلية. ويحمل رئيس الأساقفة في هونغ كونغ لواء هذه الحملة المضادة، ولذلك رفض البابا فرنسيس استقباله عندما قدم اليه حاملاً مطالب المعارضة.
رغم ذلك فان البابا فرنسيس حريص على معالجة الأزمة والوصول إلى نهاية سعيدة. واذا تمت هذه المعالجة بالفعل كما هو متوقع، فسيكون البابا الأول في التاريخ الذي يزور الصين.
ويعتمد البابا فرنسيس في مبادرته التصالحية الجريئة على سوابق تاريخية. ففي القرن السادس عشر أعطى البابا، الملك الفرنسي حق تعيين كبار الأساقفة، كذلك فإن البابا بيوس السابع وقّع وثيقة مع نابليون بونابرت تمنحه سلطات مماثلة أيضاً.
ففي عام 2007 قدم البابا السابق بنديكتوس تنازلاً هاماً للصين يتمثل باعتراف الفاتيكان بالأساقفة الذين اختارتهم الدولة الصينية. وكلّف الكاردينال بارولين ( وكان يومها مطراناً) بترؤس وفداً للمفاوضات مع الحكومة الصينية.
والكاردينال بارولين يشغل اليوم منصب المستشار الأول للبابا فرنسيس منذ عام 2013، اضافة إلى منصبه كوزير لخارجية الفاتيكان.
اما ممثل البابا في المحادثات التي تجري اليوم مع الصين فهو المطران كلاديو ماري سللي. لقد أعطى البابا دفعة معنوية جديدة لهذه المحادثات عندما زار بنغلاديش، حيث أعلن من هناك ان التفاهم مع الصين هو في مصلحة الجميع، وانه يتمنى أن تسوى الأمور حتى يقوم بزيارة رسمية للصين.
وتعبيراً عن حسن النية، كانت الصين قد سمحت عام 2014 لطائرة البابا التحليق في أجوائها عندما كان في طريقه للقيام بزيارة رسمية إلى كوريا الجنوبية.
ولكم رغم أهمية مبادرة البابا فرنسيس، فإن أصواتاً معارضة من داخل الفاتيكان ومن خارجه بدأت بالارتفاع؛ ذلك ان التسوية سوف تكون على حساب القساوسة الصينيين الذين وقفوا ضد سيطرة بيجين على الكنيسة ورفضوا كل قراراتها وتمسكوا بالتبعية المطلقة إلى الفاتيكان وحده، وتعرضوا بسبب ذلك إلى السجن والاضطهاد على مدى العقود الخمسة الماضية.
كما ان نجاح المبادرة سيكون على حساب جمعيات حقوق الانسان التي ناصرت الكنيسة الصينية ضد حكومتها وتعرضت بسبب ذلك إلى المقاطعة والتشهير والطرد من الصين.
غير ان للبابا فرنسيس حسابات اخرى. فالدراسات المتوافرة لديه تثبت ان عدد الكاثوليك في الصين اليوم لم يزد عما كان عليه قبل خمسين عاماً، وعلى العكس من ذلك فإن الكنائس الانجيلية تسجل تضخماً كبيراً في عدد أتباعها سواء تلك التي تنطلق من الولايات المتحدة مباشرة، أو عبر كوريا الجنوبية.
ان كل ما يهم البابا فرنسيس هو أن تؤدي التسوية مع الصين إلى اعتراف الحكومة بشرعية المطارنة الثلاثين المؤيدين للفاتيكان، والذين عزلتهم السلطات الصينية على خلفية هذا التأييد، ولعل ما يسهل هذا الأمر موافقة البابا من حيث المبدأ على الاقتراح الصيني بأن يختار رئيساً للأساقفة في الصين من بين ثلاثة مرشحين تسميهم الحكومة الصينية ذاتها، واذا تم ذلك فإنه سوف يشكل سابقة في التاريخ الحديث للفاتيكان.. تتكلل بإنهاء اعتراف الفاتيكان بالصين الوطنية –تايوان- دولة صينية مستقلة!!..

بقلم : محمد السماك

محمد السماك