كتاب وأراء

شروط تمرير صفقة القرن

كثر الحديث مؤخرا عن «صفقة القرن» دون أن تظهر وثيقة رسمية، أو حتى شبه رسمية، واحدة يمكن الاستناد
إليها لتحديد ملامحها العامة، ناهيك عن تفاصيل بنودها الرئيسية. كل ما نعرفه أن دونالد ترامب، الرئيس الأميركي الذي يدير السياسة بعقلية رجل الأعمال وليس رجل الدولة، لديه أفكار يقول أنها «خارج الصندوق» ويعتقد أنها كفيلة بإيجاد تسوية نهائية للقضية الفلسطينية. ولأن مفهوم «الصفقة» يتطلب بالضرورة وجود طرفين بينهما «سمسار» يتوسط لإقناعهما بأنهما لن يستطيعا أن يحصلا على شورط افضل مما هو معروض.
فقد راحت التقارير الصحفية تتواتر طوال الشهر الماضية في محاولات يائسة لإماطة اللثام عما عسى أن تكون عليه «صفقة القرن».
فجأة، ودون سابق إنذار، قرر الرئيس دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل والشروع فورا في اتخاذ الإجراءات اللازمة لنقل السفارة الأميركية إليها. حينها فقط بدأت الغشاوة تنقشع حين أدرك الجميع أن السمسار الأميركي لم يكن يتوسط لإبرام «صفقة» بالمعنى المتعارف عليه في عالم التجارة والمال، بطرح صيغة أولية قابلة للأخذ والرد إلى أن تتوصل الأطراف المعنية إلى الصيغة التي تقنعهم بوجود فرصة يتعين اغتنامها وإلا لحق الضرر بهما معا، لكنه كان يسعى في الواقع لتهيئة الأوضاع الإقليمية والدولية لتبرير انحيازه التام للموقف الإسرائيلي ولمساعدة إسرائيل على فرض تسوية بشروطها. فمع أي من الأطراف كان يتفاوض ترامب لإبرام «صفقة القرن»؟
يوحي الجزء الظاهر من جبل الثلج الذي تمثله هذه الصفقة بأن المشاورات التمهيدية حولها جرت اساسا بين ترامب والمملكة العربية السعودية، وربما مع أطراف عربية أخرى ليس من بينها السلطة الفلسطينية، وأن مضمونها يتلخص في مقايضة تقوم على التزام السعودية بتطبيع العلاقة مع إسرائيل، دون انتظار قبول إسرائيل مسبقا بشروط المبادرة التي تبنتها قمة بيروت عام 2002، ، مقابل التزام الولايات المتحدة بممارسة أكبر قدر ممكن من الضغط على إيران، لإجبارها على وقف تمددها في العالم العربي، خاصة في سوريا ولبنان واليمن، حتى لو تطلب الأمر إلغاء الاتفاق الخاص ببرنامجها النووي. وحين أدرك ترامب أنه لن يستطيع أن ينتزع من المملكة العربية السعودية، وهي الدولة التي خرج نبي الإسلام من بين ربوعها ويطلق على ملكها لقب «خادم الحرمين الشريفين»، اعترافا بالسيادة الإسرائيلية على المدينة التي تضم المسجد الأقصى، ثالث الحرمين الشريفين، استبق الوضع وقرر الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، على أمل إخراج هذه القضية من دائرة التفاوض بين الفلسطينيين والإسرائيليين ولوضع العالم الإسلامي كله، وليس السعودية وحدها، أمام أمر واقع جديد. غير أن رد الفعل العنيف من جانب الدول العربية والإسلامية، بما فيها السلطة الفلسطينية التي اعتبرت الولايات المتحدة وسيطا غير نزيه ورفضت رسميا القبول مستقبلا بأي وساطته أميركية منفردة في النزاع، أربك الحسابات الأميركية وأدخل «صفقة القرن» برمتها في مأزق يبدو أنها لن تستطيع الفكاك منه. ومع ذلك لا أظن أن الولايات المتحدة تخلت عن هذه الصفقة وما تزال تعتقد أن مقايضة تغير الموقف السعودي من التسوية بتغير الموقف الأميركي من إيران يمكن أن يشكل أساسا صلبا لها.
إذا صح هذا الاستنتاج فلن يكون لذلك سوى معنى واحد وهو أن تمرير الصفقة يتطلب أولا إزاحة العقبة الرئيسية التي تعترض طريق التسوية بالشروط الإسرائيلية والمتمثلة في تحالف إيران مع كل من سوريا وحزب الله والمقاومة الفلسطينية المسلحة. ويبدو أن إسرائيل، والتي أظن أنها اطمأنت الآن تماما إلى صلابة تحالفها مع السعودية، خصوصا في حال ما إذا أقدمت على ضرب إيران، بدأت تستعد الآن لدق طبول الحرب. لكن من أين ستبدأ؟ بالجبهة الفلسطينية أولا، أم اللبنانية، أم السورية؟ الأيام والأسابيع القادمة كفيلة بالكشف عما يحاك الآن في الخفاء!! .
بقلم: د. حسن نافعة

د. حسن نافعة