كتاب وأراء

واقعتان قضائيتان

هاتان واقعتان قانونيتان، تؤكدان ما يفترض انه لا يحتاج إلى تأكيد، وهو ان القضاء العادل المستقل هو الضمانة الأساسية لاستقرار أي مجتمع، وتماسك الدول وبقاء كياناها. وان القاضي العادل الرشيد لا يقف عند حدود النص القانوني، وإنما يتعداه إلى روح القانون والمقاصد والمآلات التي يبتغي تحقيقها.
الأولى هي الاقدم تاريخيا، وقد سجلها المخرج المبدع ستيفن سبيلبيرغ في فيلم «ذا بوست» الذي قام ببطولته المبدعان ايضا، توم هانكس وميرل ستريب.
ففي عام 1971 أثناء نظر قرار المدعي العام لمدينة نيويورك بحظر نشر وثائق خاصة بالحرب الأميركية الكارثية في فيتنام، انتصرت المحكمة العليا التي لجأت إليها صحيفة واشنطن بوست التي أصرت على نشر الوثائق متحدية قرار حظر النشر، لحرية الإعلام والنشر، ورسخت قاعدة ذهبية تقول إن «حظر النشر وليس النشر هو ما يهدد الأمن القومى الأميركى» لأنه يتيح للسلطة التنفيذية إخفاء خطاياها في إدارة الحرب التي يدفع الشعب ثمنها من أرواحه وأمواله.
حكم المحكمة العليا كان هزيمة للسلطة التنفيذية في الولايات المتحدة، ولكنه كان انتصارا تاريخيا لقيم العدالة والحرية والشفافية، وهو الدعامات الأساسية التي تستند إليها القوة الأميركية في الداخل على الأقل التي بقيت قوية رغم الهزيمة في تلك الحرب اللاإنسانية.
الواقعة الثانية، حدثت قبل ايام في لبنان. لم تكن فصلا في نزاع بين السلطة التنفيذية والاعلام، وإما كانت درسا من القاضية المسيحية جوسلين متى، ليس فقط في استلهام روح القانون، أو تغليب المقصد على النص، وانما درسا ايضا في كيفية احتواء المغرر بهم المفتقدين للفهم الصحيح لدينهم.
فقد حكمت القاضية الرشيدة، على ثلاثة شبّان أساءوا إلى السيدة مريم العذراء، بحفظ آياتٍ تكرّمها في القرآن الكريم؛ ليتعرّفوا أكثر على دينهم ويتأكدوا أن فعلتهم إساءة إليه بالدرجة الأولى، مستبدلة ذلك بعقوبة السجن لمدة ستة شهور. فبعد استماعها إلى الشبان الثلاثة تيقنت القاضية أن فعلتهم لا تنطوي على رغبة في إثارة النعرات الطائفية بمقدار ما أنها تنمّ عن جهل، فاختارت تفادي الحكم بالسجن، ولجأت إلى تدبيرٍ قضائي توجيهي وتثقيفي يسمح به القانون.
كثير من الجرائم وخصوصا تلك المتعلقة بالطائفية، تصدر عن جهل، أو حمق، ولا يؤدي سجن مرتكبيها الا لمزيد من الجهل والحمق، يضاف اليه كميات من الحنق والكراهية جراء ما يحدث في السجون، خصوصا مع مذنبين في هذه السن الصغيرة.. أحسنت يا صاحبة المقام الرفيع.

بقلم : محمود عيسى

محمود عيسى