كتاب وأراء

قطــر منـــارة الســـلام

في الوقت الذي يموج العالم فيه بالاضطرابات والقلاقل والنزاعات، خرج صوت قطر مناديا بضرورة صياغة اتفاقية أمنية تنهي خلافات الشرق الأوسط وتجعلها شيئا من الماضي، وذلك من خلال الخطاب المدوي الذي ألقاه حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، حفظه الله ورعاه أمام الدورة الرابعة والخمسين لمؤتمر ميونيخ للأمن الذي ينهي أعماله اليوم بحضور أكثر من 600 مشارك، بينهم 21 رئيس دولة وحكومة و75 وزير خارجية ودفاع، يشاركون في سلسلة طويلة من النقاشات والمداخلات، منها ما يتعلق مباشرة بالنزاعات والتغيرات في المنطقة العربية والجوار الأوروبي ودور القوى الناشئة وتغير ميزان القوى العسكري في العالم، ويحمل المؤتمر هذا العام أهمية كبيرة بسبب المعطيات الجديدة والمتغيرات الحاصلة في موازين القوى الإقليمية، ما سينعكس بشكل مباشر على خريطة التحالفات الدولية.
أردت أن أستهل مقالي بالإشارة إلى هذا النداء القطري وسط هذه الأجواء الملبدة بالغيوم، هذا النداء الذي من شأن الاستجابة له إنقاذ منطقة الشرق الأوسط من الانزلاق إلى الهاوية بعد أن وقفت طويلا ولاتزال واقفة على حفتها، ها هو «تميم المجد» كما عهدناه وعهده العالم كله ينادي بالسلام للجميع ويطالب المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته، وليس هذا فقط بل يشمل قطر أيضا، كدليل قاطع وبرهان ساطع على حسن النوايا والصدق مع النفس، أقول ها هو تميم المجد مناديا قائلا: «أعتقد أنه آن الأوان لتحقيق الأمان الشامل لمنطقة الشرق الأوسط، آن الأوان لكل دول المنطقة، بما في ذلك نحن، لأن تنسى الماضي وتتفق على المبادئ الأمنية الأساسية وقواعد الحكم، وعلى الأقل، الحد الأدنى من الأمن الذي يسمح بتحقيق السلام والرخاء».
يا له من حلم جميل طال انتظاره، ويا له من أمل عظيم طال افتقاره، راود الكثير ممن ذاقوا مرارة الحروب، الذين فقدوا أبناءهم وسفكت دماؤهم وتشردت أُسرُهم، لأي منا أن يتخيل شرق أوسط خاليا من النزاعات ينعم بالأمن والأمان.
وتحفيزا على التحرك بجدية لتحقيق هذا الأمل وتشجيعا لكل الأطراف على اتخاذ خطوات شجاعة في هذا الاتجاه قال أميرنا المفدى حفظه الله ورعاه: «ينبغي ألا يكون هذا حلما مستحيلا، المخاطر كبيرة، والشرق الأوسط على حافة الهاوية، وحان الوقت لإبعاده عنها».
نعم، ينبغي ألا يكون إحلال الأمن والأمان في منطقة الشرق الأوسط حلما مستحيلا، واسألوا قطر التي قهرت المستحيل في مجالات كثيرة، بعزيمة رجالها وقوة إيمان شعبها بها قطر اليوم لا تعرف المستحيل، اقتصاد قوي صمد وسط العواصف التي اجتاحت اقتصاديات العالم، دخل للفرد هو الأعلى على مستوى العالم وسط منطقة عرفت بالدخول المتدنية، مستويات التعليم هي الأحدث في المنطقة، بيئة برية وبحرية هي الأجمل، ثم تفاؤل وأمل مصحوب بالعمل.
كل هذا لأن قطر أخذت على عاتقها أن تنشغل بالبناء بينما انشغل غيرها بالهدم، ولأنها غنت للحب بينما غنى غيرها للكره، وامتلأ قلبها بأمنيات الخير للجميع بينما امتلأ قلب غيرها بالطمع والجشع.
وإمعانا في الأمل والحث على العمل لتحقيق الأمن للجميع دعا سمو الأمير الدول المعنية مباشرة في منطقة الشرق الأوسط إلى تنحية الخلافات جانبا وإبرام اتفاقية أمنية على غرار الاتحاد الأوروبي من أجل إبعاد المنطقة عن حافة الهاوية إلى بيئة آمنة مطمئنة يسودها الود والوئام وتنعم بالتنمية والرخاء.
ولتحديد الرؤية واضحة أشار سموه إلى أن ألمانيا الدولة المضيفة مكان مناسب لمناقشة المخاطر التي تواجه العالم، كون المؤتمر يعقد على أرضها، فهي لديها إذن من النوايا الصادقة ما لدى قطر، وفي نفس الوقت حث سموه المجتمع الدولي على مواصلة الضغط الدبلوماسي على الدول المعنية من أجل تحقيق ذلك، فلم تعد مواجهة التحديات المحدقة بالجميع وحلول المشكلات والأزمات القائمة تتحمل التراخي والتهاون والتأجيل من جانب أحد الأطراف.
وحتى لا يذهب خيال البعض بعيدا، ويظن أن نداء قطر نابع من حاجتها هي وحدها فقط، حرص سموه حفظه الله ورعاه على استدراك الأمر فعقد «مقابلة» تنطق بحكمته وحنكته، من خلال تأكيده على أن دولة قطر من أكثر بلدان العالم سلمية وباتت أكثر قوة من ذي قبل، لأنه قد جرى العرف في أدبيات السياسة أن الدول التي تدعو إلى السلم هي الدول التي تنقصها القوة، ولا تستطيع مواجهة تحدياتها.
هنا في قطر الأمر يختلف لأنها أي قطر أخذت على عاتقها أن تكون قوة للأمن والسلام، فهي مع كونها قوية وأصبحت أكثر قوة من ذي قبل فإنها تدعو إلى السلام وإحلال الأمن ليس عن ضعف ولكن عن إيمان بأن كل شعوب الأرض في حاجة ماسة إلى التعايش السلمي.
موضوع آخر ركز عليه سمو الأمير في كلمته، ويعتبر حديث الساعة بلا منازع، وهو موضوع الإرهاب الذي يلقي بظلاله القاتمة على العالم برمته، فقدم سموه رؤية قطر للقضاء على هذا الوباء الذي عانى منه العالم واقتلاعه من الجذور، ذلك لأن قطع الشجرة من ساقها والإبقاء على جذورها لن يجدي، إذ لن يمضي كثير من الوقت حتى تكون الجذور قد أورقت من جديد.
جذور الإرهاب هي المعاناة والظلم فمتى تم القضاء عليهما تم القضاء على الإرهاب، فالمعركة مع الإرهاب باستخدام السلاح فقط هي معركة خاسرة لا محالة ولكن يجب أن يسبق معركة السلاح معركة القضاء على الفقر والمرض والبطالة، فلو أن الدول قضت على هذه الأوبئة لن تكون في حاجة إلى استخدام السلاح للقضاء على الإرهاب.

بقلم : آمنة العبيدلي

آمنة العبيدلي