كتاب وأراء

معركة حماية حقوق لبنان النفطية .. بين الأطماع الصهيونية والدور الأميركي

مع قيام لبنان بخطوته العملية الأولى في تلزيم الشركات النفطية البدء بعمليات التنقيب واستخراج النفط والغاز من البلوكين 4 و9 في المياه الإقليمية اللبنانية الخالصة، تحركت الحكومة الاسرائيلية لمحاولة تعطيل وإعاقة ذلك في اتجاهين:
الاتجاه الأول: إقدام وزير الأمن الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان بالإعلان عن أن «إسرائيل» سوف تبسط سيطرتها على بلوك رقم 9 زاعما بأنه لا يقع في المياه الإقليمية اللبنانية، وإنما في المياه الإقليمية (لفلسطين المحتلة). وذلك بغية إرهاب الشركات وجعلها تمتنع عن القيام بأي إجراءات عملية في هذا البلوك.
الاتجاه الثاني: تقديم دعاوى قضائية في الأمم المتحدة ضد الشركات في حال أقدمت على الاستثمار والتنقيب في بلوك رقم 9.
هذا التحرك الإسرائيلي يأتي بهدف الضغط على لبنان ومحاولة ابتزازه كي يقبل الدخول في مفاوضات مباشرة مع الحكومة الاسرائيلية ودفعه إلى التخلي عن مطالبه برفض التخلي عن كامل سيادته على حدوده الإقليمية في البحر الأبيض المتوسط والتي تبتعد عن بلوك رقم 9 في اتجاه الحدود البحرية مع فلسطين المحتلة بمساحة تقدر ب 850 كلم 2 وهي المساحة التي تحاول الحكومة الاسرائيلية الاستيلاء على قسم مهم منها يبلغ نحو 350 كلم2 وهي المنطقة التي يعتقد بأنها تحوي على كميات هامة من النفط والغاز ومتداخلة مع بعض حقول النفط المكتشفة في البلوكات اللبنانية الأخرى، وهو ما رفضه لبنان طوال السنوات الماضية، وقد عبر رئيس مجلس النواب نبيه بري في حينه عن هذا الموقف بوضوح لمبعوثي الأمم المتحدة والمسؤولين الأميركيين.
وبدا واضحا انه في موازاة هذا الاستهداف الاسرائيلي للاستيلاء على حقوق لبنان ومحاولة الاعتداء على سيادته وتحقيق الأطماع الاسرائيلية في ثروته النفطية وحرمان لبنان من استغلال هذه الثروة والخروج من أزماته المالية والاقتصادية لإبقائه غير قادر على تحقيق استقلاله الاقتصادي بعيدا عن التبعية للغرب، تحركت واشنطن باتجاه لبنان وأرسلت المسؤول في الخارجية الأميركية السفير السابق في لبنان ديفيد ساترفيلد إلى بيروت الذي عقد سلسلة لقاءات مع المسؤولين اللبنانيين، وتبين أن الهدف من الزيارة هو الترويج للموقف الإسرائيلي ومحاولة إقناع لبنان بقبول ما تعرضه الحكومة الاسرائيلية من صيغة لترسيم الحدود البحرية تقضي بأن يتخلى لبنان عن 350 كلم2 من مياهه الإقليمية الخالصة. مقابل توقف تل أبيب عن مواصلة تهديد الشركات المتعاقدة مع لبنان للتنقيب عن النفط والغاز في بلوك 9.
ويكشف ذلك الدور الأميركي في الوقوف إلى جانب العدوانية والأطماع الاسرائيلية وتشجيع الحكومة الإسرائيلية على الاعتداء على سيادة لبنان ودعمها في مخططاتها للاستيلاء على حقوقه.
لكن هل بإمكان واشنطن وتل أبيب إجبار لبنان على الرضوخ للتهديدات الاسرائيلية والتخلي عن جزء من حقوقه؟.
التجربة بعد تحرير معظم الأراضي اللبنانية في الجنوب والبقاع الغربي من الاحتلال الصهيوني عام ألفين، تفيد بأن لبنان تمسك بقوة في رفض أي ترسيم للحدود البرية مع فلسطين المحتلة على حساب اقتطاع أجزاء من أراضيه التي لا تزال واقعة تحت الاحتلال ونجح في منع ذلك وفرض موقفه بجعل الخط الأزرق الذي رسمته الأمم المتحدة عبر القوات الدولية خطا مؤقتا، وكان واضحا أن لبنان تمكن من ذلك لأنه بات يملك موقفا قويا موحدا عزز منه انتصاره الكبير على الاحتلال الصهيوني، وقد كان للرئيس السابق العماد اميل لحود دور أساسي في حماية حقوق لبنان في أراضيه وفي استرجاع سيادته على مياهه واستغلال هذه المياه بعد زمن طويل من سرقة كيان الاحتلال الصهيوني لها.
واليوم فإن لبنان ليس في وضع أضعف مما كان عليه في أعقاب انتصار ألفين حتى يخضع للتهديد الاسرائيلي ويتنازل عن جزء من حقوقه وسيادته على مياهه، بل هو أصبح في وضع أقوى بعد تعزز وترسخ معادلة الجيش والشعب والمقاومة التي ألحقت الهزيمة بالعدوان الصهيوني عام 2006 وبقوى الإرهاب التكفيري وحمت الاستقرار والأمن في لبنان والسلم الأهلي، فيما الموقف الرسمي تميّز بالتوحد في مواجهة التهديدات والأطماع الاسرائيلية، وهو ما جرى التعبير عنه في اجتماع الرؤساء الثلاثة في قصر بعبدا وفي اللقاءات مع ساترفيلد، وفي مسارعة لبنان إلى الرد على الدعاوى الإسرائيلية ضد شركات المستثمرة في البلوك رقم 9و4، بدعاوي مماثلة على الشركات المستثمرة في الجانب الإسرائيلي ليصبح التهديد متبادلاً.
ويبدو من الواضح أن اللعب الاسرائيلي الأميركي على التناقضات الداخلية للنيل من المناعة الوطنية اللبنانية والتأثير على موقف لبنان الصلب في التمسك بحقوقه كاملة ورفض أي مساس بها، لم ينجح، وما جرى مؤخرا لهو تأكيد على مثل هذا الفشل الأميركي الاسرائيلي، حيث ما أن حاولت تل أبيب استغلال التوترات الداخلية التي حصلت مؤخرا لتحقيق أطماعها حتى سارع المسؤولون إلى وضع الخلافات جانبا والتوحد في مواجهة العدوانية الإسرائيلية.
لذلك فإن زيارة وزير الخارجية الأميركي تيلرسون المرتقبة إلى بيروت لن تبدل من جوهر وثبات الموقف اللبناني. وطالما أن لبنان ظل موحدا في التمسك بحقوقه والدفاع عن سيادته واستقلاله فإنه سينجح مجددا في لجم العدوانية والأطماع الصهيونية وتكريس سيطرته على ثروته النفطية والغازية واستغلالها، تماما كما نجح في تكريس سيطرته على ثرواتهم المائية واستغلالها وتامين مياه الشرب لعشرات القرى الجنوبية التي كانت محرومة من هذه المياه.
أنها معركة جديدة يخوضها لبنان للدفاع عن حقوقه وحماية سيادته واستقلاله في مواجهة.التهديدات والأطماع الإسرائيلية، وطالما أن لبنان يملك إرادة المقاومة والقدرة والتجربة والخبرة، في المواجهة مع العدو الصهيوني، فإنه سيفوز في هذه المعركة الجديدة.
بقلم : حسين عطوي

حسين عطوي