كتاب وأراء

الرأي العام عندما يتصدى لغياب الأمن وشح الموارد

وسط المناخ العام الذي يسود المنطقة العربية وأبرز ملامحه التوتر والفوضى، يعيش الرأي العام العربي صراعاً ذاتياً بين التوسع في التعبير عن الرأي إلى حد الحمى، والتمسك بواجبات المسؤولية الوطنية.
ويلعب كل من الشعور بالافتقاد للأمن من ناحية، والمعاناة من شح الموارد من ناحية أخرى، دوراً رئيسياً في خلق هذه الحالة، ومن ثم كلما تم العمل على تجاوز كل من السببين، تغيرت الصورة إلى الأفضل.
وإذا كان الحديث في هذا المقام عن الرأي العام باعتباره أول الحواجز الطبيعية التي تتلقى التهديدات من ناحية، وأولى منصات المواجهة الصحيحة من ناحية أخرى، فإن الحكمة تقتضى ألا يجزع الرأي العام من ظروف العصر المتغيرة بحدة، وإنما الحكمة تقتضي الوقوف على الأسباب الحقيقية التي قادت إلى هذا الوضع والعمل على التغلب عليها بما لدينا من قدرات وطنية مختلفة.
في وضعنا المعاصر هناك نزعة عارمة من جانب قطاعات عريضة من الرأي العام وخصوصاً من الشباب للإقبال على ما يتيحه الفضاء الإليكتروني بكل ما فيه من خير وشر، وذلك ليس من باب الفضول ولا الرغبة في المعرفة فقط، وإنما للتعبير عن الرأي، وفي الوقت نفسه هناك نزعة لا تقل عنها قوة مؤداها الحرص على واجب المسؤولية الوطنية. ولا يخفى أن المعنيين بالتنشئة الاجتماعية والسياسية أو التنمية البشرية بوجه عام تنبهوا لهذا وذاك ولكنهم أعربوا عن القلق من خطر تحول الرغبة في التعبير عن الرأي إلى حمى للتعبير، وتحول الإحساس بالمسؤولية الوطنية من واجب ملزم إلى لا مبالاة أو أمر يمكن التضحية به.
وسط هذا المناخ الذي يتسم بالاضطراب والتوتر تعددت الأسباب والاجتهادات لتشخيصه ولتفسيره، وفي تقديرنا أن السببين الرئيسيين هما غياب الأمن وشح الموارد؛ فأما عن غياب الأمن فقد نجم عن عدم جاهزية المؤسسات الشرعية الموكول لها الاستخدام المشروع للقوة وحدها في القيام بدورها الجاد لمنع مظاهر عدم الاستقرار والفوضى، من تحقق له هذا الوضع نجا مؤكداً من كل الجوانب السلبية التي يتسم بها المناخ العام السائد في المنطقة، ومن قصر اكتوى بنيران هذا المناخ.
وفي غياب عدم جاهزية المؤسسات الشرعية هذه ظهر البديل مما لا تغفله العين طوال السنوات الماضية وتمثل في وجود كيانات غير شرعية ومن خارج المؤسسات الشرعية أصبح لها دور في القيام بمهمات الأمن.
وربما كان من السهل في نظر البعض استعادة التوازن الأمني ولو بعد فترة وجيزة، ولكن فوجئت المنطقة بما يشبه الانشطار في عوامل التهديد الأمني عندما ضرب الإرهاب في أكثر من مكان وفرض نفسه تهديداً حقيقياً، وأصبح في ذاته هماً للجميع يحتاج إلى جهود مكثفة للقضاء عليه.. هناك فرق بين مواطن ينعم بالأمن والاستقرار وآخر يفتقده: الأول إيجابي واثق من نفسه، والثاني سلبي مضطرب الإرادة.
وأما السبب الرئيسي الثاني فهو شح الموارد، فرغم أهمية تلبية الاحتياجات السياسية وكذلك الانخراط فيها على أساس أنها هي التي يمكن أن تصلح الحال، تتراجع هذه الأهمية في قائمة الأولويات كلما كانت الأوضاع الاقتصادية للفرد جيدة أو مطمئنة. وفي الظروف المعتادة تجرى ممارسة السياسة بسلاسة وهدوء كلما كانت الأوضاع الاقتصادية جيدة.
وفقاً لهذين السببين فإن مناخ الاضطراب والتوتر السائد في المنطقة العربية يعبر عن مرحلة استثنائية انتقالية، وليس وضعاً دائماً لا فرار منه، وذلك لأن الأمور التي قادت إلى غياب الأمن يمكن معالجتها، سواء في ما يتعلق بقيام المؤسسات الشرعية بدورها المعتاد والتخلص من الكيانات البديلة عبر حلول سياسية عاقلة وحكيمة للأزمات السياسية المرتبطة بها، أو بتكثيف الجهود للقضاء على الإرهاب.
وشح الموارد يمكن معالجته بحسن إدارة الموارد العامة وعدالة توزيع الثروة، وما هو مؤكد أن الشعوب تستشعر الواجب الوطني بشكل أكبر في ظروف شح الموارد شريطة أن تجد مصارحة وشفافية وضرباً من حديد على أيدي الفساد. مع توافر هذا وذاك تتشكل قاعدة عريضة من الرأي العام المتفاعل إيجابياً مع تحديات العصر، الهادئ والواثق من حاضره ومستقبله مهما كانت حدة المخاطر.

بقلم : د. عبدالعاطي محمد

عبدالعاطي محمد