كتاب وأراء

في الذكرى السابعة لسقوط مبارك

لا أظن أن بوسع أحد من جيلي أن ينسى تلك اللحظة التاريخية التي أعلن فيها اللواء عمر سليمان، في بيان قصير لم يستغرق سوى ثوان معدودة، قرار مبارك بالتنحي عن السلطة وتسليمها للمجلس الأعلى للقوات المسلحة. كان ذلك يوم 11 فبراير من عام 2011، وجاءت لحظة التنحي تتويجا لملحمة كبرى استمرت ثمانية عشر يوما وجسدت ثورة شعب على نظام حكم فاسد مستبد جثم على صدر مصر لما يقرب من ثلاثين عاما. ورغم أنني كنت واحدا من كثيرين عارضوا نظام مبارك وتحدوا مشروع توريث السلطة، بنقلها من الأب إلى الابن رغم أنف الجميع، إلا أنه لم يدر بخلدي ولو للحظة واحدة أنني سأشهد في حياتي لحظة مماثلة لتلك التي استمعت فيها إلى بيان تنحي حسني مبارك، والتي هزتني من الأعماق.
ولأنني لم أشعر في حياتي قط، رغم امتدادها في ذلك الوقت لأكثر من ستين عاما، بسعادة مماثلة لتلك التي غمرتني في تلك اللحظة، فقد أجهشت وقتها بالبكاء وقلت لنفسي وقتها، وبصوت عال سمعته كل جواري: «بوسعك الآن أن ترحل قرير العين»، كان يكفيني أن يمتد بي العمر لأشهد تلك اللحظة التاريخية!!.
اليوم، وبعد سبع سنوات من رحيل مبارك، تبدو صورة مصر قاتمة. فالشعارات التي انطلقت بها حناجر الشعب في معظم ميادين مصر إبان تلك الأيام الخالدة، خاصة ميدان التحرير في القاهرة، مطالبة بالخبز والحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، لم يتحقق منها شيء، بل يمكن القول دون أدنى مبالغة أن الأوضاع في مصر شهدت انتكاسة كبرى منذ ذلك الحين وعادت بنا إلى أسوأ مما كان قائما قبل 25 يناير: فالحريات مقيدة بأكثر مما كانت عليه أيام مبارك، والكرامة الانسانية منتهكة بأكثر مما كان قائما في عهد مبارك، والعدالة الاجتماعية كانت وما تزال غائبة تماما إلى الدرجة التي باتت تبدو في أعيننا اليوم وكأنها الحلم المستحيل غير القابل للتحقيق.
فهل كان جيلنا على خطأ حين نادى بالتغيير؟ وهل كان شباب مصر على خطأ حين تجاوب مع هذا النداء واختار طريق الثورة؟ لا أعتقد ذلك، رغم إدراكي أن شباب هذه الثورة يقبعون الآن في غياهب السجون، وأننا نعيش اليوم زمنا يبدو فيه الجهر بالانتماء للثورة جريمة كبرى تستحق العقاب وينبغي أن نتبرأ منها. فالواقع أنني ما زلت أومن بأن الثورة على نظام مبارك كانت حتمية، وذلك لسبب بسيط وهو أن الفترة التي قضاها هذا الرجل في السلطة، والتي اقتربت من ثلث قرن، كانت كفيلة، خاصة في ظل الظروف التي سادت في المنطقة عقب الإنجاز العظيم الذي تحقق في حرب أكتوبر عام 1973، بتحقيق انطلاقة نهضوية كبرى يمكن أن ترقى بمصر إلى مصاف الدول المتقدمة وتعوض الشعب المصري عن سنوات حرمانه الطويلة. غير أن مبارك، والذي تعامل مع المنصب الرئاسي الذي هبط عليه من السماء وكأنه «مكافأة نهاية الخدمة»، أهدر الفرصة التاريخية التي سنحت أمامه وفشل في انتهازها، ربما بسبب ضيق أفقه السياسي ومحدودية تفكيره أو لسباب أخرى أكثر تعقيدا. ولأن مبارك تعامل مع السلطة باعتبارها مغنما يستحق أن يعض عليه بالنواجذ، وليس مسؤولية تتطلب الإقدام والتضحية، فقد انصرف جل تفكيره إلى البحث عن طريقة تمكنه من الاحتفاظ بها لأطول فترة ممكنة. وحين تحقق له ما أراد وراح الشيب يغزو راسه، طمع فيها أكثر وبدأ يفكر جديا في توريثها لابنه من بعده وكأن مصر مجرد عقار قابل للتداول بين الورثة!!.
لا شك عندي في أن ثورة يناير العظيمة تمر الآن، شأنها في ذلك شأن معظم الثورات الكبرى في العالم، بانتكاسة كبرى تكاد تعصف بها، لكنني على يقين في الوقت نفسه من أن هذه الثورة فجرت في نفوس المصريين كافة قدرا هائلا من الطاقة لا أظن أنه قابل للنضوب. ربما تكون تلك الطاقة معطلة الآن، لكنها ستظل كامنة إلى أن تعثر على اللحظة المناسبة كي تنطلق لتحطم قيودا كثيرة ما تزال تكبل الوطن.
يكفي أيها القارئ العزيز أن تتذكر تلك اللحظة التي أمسك فيها شباب مصر الثائر، في نهاية تلك الأيام الثمانية عشرة المجيدة، بأدوات التنظيف وراح يكنس الشوارع ليعيد للمدن المصرية رونقها وابتسامتها الهادئة. وقتها تمنى كل زعماء العالم أن يكونوا مصريين.
بقلم: د. حسن نافعة

د. حسن نافعة