كتاب وأراء

مسجد ومطوع «الفريج»

في «فريجنا» كما في باقي أحياء دولتنا الحبيبة، كنا نهرع إلى المسجد بعد سماع الأذان لأداء الصلاة بتلقائية، نترك ما كنا نلعبه ونمارسه ونتعلمه، هذه التلقائية كانت نابعة من تلقائية المسجد ذاته ومطوع المسجد البسيط المحبب إلى الجميع، لم تكن قدسية المسجد قد استخدمت لتمتد إلى خارجه، ولم تكن سلطة المطوع تعدت المسجد وأصبحت نجوميته تضاهي نجومية فريد شوقي وأفلام الكاوبوي والأكشن في ذلك الوقت التي كانت تمتص انفعالات الشباب بشكل أقل خطرا على المجتمع من نجومية مشايخ المسجد اليوم التي توجهها إلى الذات، بدلا من إعلائها، كما كان سابقا، كان دور المطوع والمسجد سابقا في أنسنة العلاقه، وليس إضفاء الهوية الضيقة عليها. مطوع الفريج تستضيفه جميع مجالس أهل الفريج، وغالبا كانوا مطاوعة ذلك الزمن من أهل «فارس» يندرجون في تدين أهل الفريج ويتكيفون معه، لذلك عاش المجتمع تسامحا مثاليا بين الدين والحياة، بين المسجد وخارجه، بين المتدين وغير المتدين، يفرح المطوع وأهل الفريج عندما يرون أعداد المصلين في تزايد، ويفرحون أكثر، عند رؤيتهم للشباب يهرعون إلى الصلاة، لا امتداد لتأثير المسجد ولا لمطوع المسجد خارجه سوى أنهما مكان التقاء يتجدد، لا يحتاج المسجد أن يستخدم قدسيته أو ان تستغل هذه القدسية، لأن روح المسجد المتسامحة تسري في أرجاء الفريج، كبار الفريج كلهم «مطاوعة» لا يزيد عنهم مطوع المسجد الا بكونه موظفا لأداء هذه الوظيفة. المسجد كان مطلبا مستمرا لاهل الفرجان، فهو استكمال لدورة حياتهم واستقرارها، فهم من يمثل الدين، ولم يتحول بعد إلى موضوع لأجندة. نستذكر هذا اليوم بعد أن تحولت المساجد في عدة دول إلى أماكن للتحريض والدعوة للاقتتال، وبعضها لتجميع الأسلحة وزجاجات المولوتوف، وبعث الشرطة الدينية إلى الاحياء والازقة تصطاد المخطئ وتتصيد الغافل الذي يحتاج إلى نصح وإرشاد. في إحدى مقامات بديع الهمذاني التي تتحدث عن تفنيد ادعاءات بعض أبناء هذا العصر الذين نصبوا انفسهم حماة على الدين ومستأثرين به دون غيرهم، يحكي فيه أن عيسى بن هشام وهو بطل هذه المقامات وندماءه دخلوا المسجد ووقفوا مع المصلين خلف الامام وليس هناك ما يثير الانتباه في أدائهم للصلاة الا أن الإمام اشتم منهم رائحة الخمر ولولا ذلك لغادرت هذه الشخصيات المسجد آمنة، حيث حرض عليهم وباؤوا بضرب مبرح، لكنهم لم يستبعدوا أو يعزلوا، ولم يمتد عقاب المسجد إلى خارجه، وانتهى الأمر بمجرد مغادرتهم للمسجد، هم تعرضوا لإيذاء جسدي عندما دخلوا المسجد سكارى وأبعدوا، وترك حسابهم الاخروي لله، ولم يمارسه المجتمع عليهم ابتداءَ بعد ذلك، المقصد من هذا كله هو خطورة المسجد ودوره، والإمام وما يمثله عندما يصبحان بلا رؤية إنسانية أدبية شمولية واضحة، وينتقلان من دورهما الهام والاساسي في بناء مجتمع التناصح والتعايش إلى دور الوصاية ويمتد النفوذ بهما ليصبح الوطن كله مسجد وصاية وتوجيه وليس مسجد عبادة ودعاء.
بقلم : عبدالعزيز الخاطر

عبدالعزيز محمد الخاطر