كتاب وأراء

نحن ومعلمونا

اعتدت أن أستخف كثيرا بكل من يستعين بالعرافين والأبراج ومن شابه هؤلاء للتعرف على مستقبلهم وكيف ستكون المسارات اللاحقة في حياتهم، وأضحك من خلف الأكمة حينما أراهم يطرقون الأبواب الخطأ في استشراف غدهم، ذلك لأن مستقبل المرء يصنعه الجهد وانتخاب الأهداف الصائبة في الحياة، والاعتماد على الله ومن بعده العلم، والإصرار على النجاح، والوقوف بعد أي كبوة لمعاودة الانطلاق، والإفادة من تجارب ودروس الآخرين، والاقتداء برموز ونماذج عبقرية صنعوا للبشرية ما غير المسارات ووجوه الحياة.. الخ
وفي واقع الأمر إنه لا يسقط من ذاكرتنا أبدا معلماتنا ومعلمونا الذين نهلنا منهم خبراتنا الأولى، وبالخصوص هؤلاء الذين كانوا يتنبأون لنا مبكرا جدا بما سنكون عليه في غدنا، فالمعلمات والمعلمون يكونون العرافين الأوائل الذين يضيئون أمامنا السبل، فكاتب هذه السطور مثلا كانت تتنبأ له معلمة اللغة العربية في المرحلة الابتدائية بأن يكون صحفيا أو كاتبا وأديبا، وذلك لأنني كنت أتفوق في حصة التعبير أو الإنشاء، وأتحدث بطلاقة عن أي موضوع أو عنوان ترشحه لنا للكتابة فيه، فكنت أؤثرها بالأفكار التي أطرحها، وبالسلاسة التعبيرية التي أكتب وأتحدث بها وقتئذ، وما لفتني لاحقا أن نبوءة هذه المعلمة الجليلة قد تحققت، فالمعلمات والمعلمون يلتقطون منا الخصال والسجايا والبشائر الأولى التي ستصيغ مستقبلنا وتحدد لنا ما سوف نمتهنه في غدنا.
لكل ذلك وغيره أعشق قراءة ومتابعة ما يقوله معلمو ومعلمات الرؤساء والأدباء والعلماء والمشاهير في العالم، والذين ينقلون لنا ما كانت عليه طفولة هؤلاء الكبار، لعل ذلك يقدم لنا مفاتيح فهم واستيعاب حياتهم، لأن هؤلاء المعلمات والمعلمين تتوافر لديهم بالخبرة تقديرات ليزرية يرون بها ما المجالات التي يمكن أن ينجح فيها هذا الطفل أو ذاك.
فمثلا كانت معلمة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما تقول عنه إنه كان تلميذا ذكيا ومنفتحا على العالم وله قدرة كبيرة على التكيف في مدرسته التي لم يكن فيها إلا تلميذان أسودان فقط، ولم يكن يحتاج إلى العمل كثيرا كي ينجح، واستبشرت فيه أنه يمكن أن يتبوأ موقعا بارزا في أميركا، وهو ما حدث بالفعل
لكن يحدث أحيانا أن عباقرة في الحياة يسيء إليهم معلموهم إساءات بالغة، ورغم هذه الإساءات ينجح من فشلهم معلموهم نجاحا منقطع النظير، فمثلا تأخر أينشتاين، العالم الألماني الأصل، في النطق، ولم يتكلم إلا عندما بلغ الرابعة من عمره، إلى الدرجة التي اعتقد عندها والداه أنه تلميذ فاشل، كما أنه طرد من المدرسة ووصفه معلمه بأنه بطيء الاستيعاب والتعلم، إلا أن أينشتاين قدم أبحاثا ونظريات في الطاقة النووية ما زالت تلقى احترام العلماء والباحثين، وأيضا سنجد أن المخترع ورجل الأعمال الأميركي توماس إديسون تعرض لاستخاف وسوء تقدير معلميه، ففي مرحلة من حياته، قال له معلمه إنه غبي لدرجة لا يمكن معها تعلم أي شيء، غير أن إديسون تحول لاحقا إلى رجل أعمال ومخترع، وسجل باسمه أكثر من ألف اختراعا وأسس شركات بما فيها شركة «جنرال إلكتريك» الشهيرة.

بقلم : حبشي رشدي

حبشي رشدي