كتاب وأراء

السياسة والإعلام والمبالغة

لا تعمل السياسة بدون الإعلام. ولا يعيش الإعلام إلا في كنف السياسة. ولا يجتمع الاثنان إلا والمبالغة ثالثتهما. كلاهما يُبلّغ ويُبالغ. السياسة تحتاج إلى إعلام يعبر عنها وينقل للناس بقوة وجهة نظرها. تريد منه أن يساعدها بكل ما يستطيع في استمالة الناس وحشدهم خلفها. ولو كانت السياسة من النوع الديمقراطي الرشيد فغالباً ما تترك الإعلام يقوم بدور آخر. تتركه يناقشها نقاشاً حراً يساعدها على الاستفادة من وجهات النظر المخالفة لها في الرأي. لكن أي سياسة تتمنى لو وجدت إعلاماً يؤيدها ويباركها ويتوسع في إبراز محاسنها حتى لو لم يكن فيها من الحسن شيئاً.
والإعلام بدوره لا يعيش إلا لو اقتفى أخبار السياسة. فأخبار الرياضة والأفلام وبرامج المنوعات لا يمكن أن تُشبع على كثرتها نهم الإعلاميين وفضولهم لأنهم يدركون أن الإعلام يقف دائماً على مرمى حجر من السياسة. يراقبها وتراقبه. يعرفون أن عليهم أن يحيطوا المواطن بأخبار الوطن وينقلوا له ما يجري فيه وما يدور حول العالم من تطورات. أن يبينوا له ما تقوم به الحكومة وما يترتب على ذلك من نتائج. يغطون له أخبار الحروب والأخطار التي تهدده. وكما ينقل الإعلام صوت الدولة للمواطن ينقل أيضاً صوت الأخير إلى صناع القرار. فالإعلام يرجع إلى السياسيين ليقول لهم هذا ما يقولوه الناس عنكم وهذا ما يعتبون به عليكم وهذا ما يأخذونه على اختياراتكم وهذا ما يتمنونه منكم. ولم يكن غريباً بسبب حاجة السياسة والإعلام إلى بعضهما أن يكون لكل سياسي إعلامي أو إعلاميين مفضلين لديه. ولم يكن غريباً كذلك أن تشترك السياسة والإعلام في خصلة واحدة هي الميل إلى المبالغة. فما أن يجتمع الاثنان إلا وتصاحبهما المبالغة. فكلاهما يقوم بالتبليغ. ولا تبليغ بدون مبالغة. السياسي يقوم بالتبليغ الأول. ثم يتبعه الإعلامي بالتبليغ الثاني. السياسي يبلغ الناس من خلال خطاب يلقيه أو مؤتمر صحفي يعقده بما لديه من خطط وبرامج. وكثيراً ما يبالغ عندما يعد بأن خططه ستحقق أكبر عائد وأن سياساته ستجعل الوطن أكثر تطوراً. يرسم صورة وردية باهية. وهو لا بد أن يفعل ذلك. عليه أن يتحدى الإحباط وأن يعد. لكنه كثيراً ما يبالغ في الوعد خاصةً أن الناس لا تحب أن تسمع كلاماً مخيفاً.
ثم يأتي الإعلامي ليقوم بالتبليغ الثاني عبر مقالات وبرامج ونشرات تمتد لأيام وربما لشهور وسنوات. وسرعان ما يجد الإعلام نفسه وهو يقوم بالتبليغ الثاني أمام طريقين. إما المبالغة في التأييد أو المبالغة في التنديد. فالحقائق في الإعلام مثلما هي في السياسة مراوغة لأنها ببساطة غير موجودة وإنما تُوجد فقط صور عنها يصنعها كل سياسي وكل إعلامي بنفسه.
والمبالغة ليست غريبة لا على السياسة ولا على الإعلام في أي مكان. وهي واضحة وضوح الشمس في منطقتنا العربية حتى للعوام. اعتاد عامة العرب أن يسمعوا من الساسة والإعلاميين كلاماً إما يعج بالمدح أو يبالغ في القدح. يرون مبالغات لمادحين تشيد برؤى خارقة لم يسبق إليها أحد. ومعارك بائسة ومع هذا تُسمى بأم المعارك. وأعمال عادية لكنها تصور كانتصارات مذهلة. وفقر ينتشر لكن الكلام لا يدور إلا عن برامج للإصلاح يقال أنها ستفتح أفاق الخير وتقود إلى الرخاء. يعرف الناس أن ترتيبهم العالمي متأخر لكنهم يسمعون من يبالغ ويقول لهم إننا فوق الجميع. ينتشر العنف ومع هذا تؤكد المبالغات أننا في واحة أمان. وكما يسمع الناس مبالغات مزيفة تطمئنهم يسمعون مبالغات أخرى مصطنعة تغرس في نفوسهم الرعب. فلا بد في السياسة والإعلام من فزاعات. ولكي ينصاع الناس أكثر لا بد من تخويفهم أكثر. إما بشيطنة الآخر أو بالاستهزاء منه أو بنعته بكل سمات العدو. لا بد من فزاعات ومن مبالغات. فتلك دولة إرهابية يجب أن تُعاقب. ومواطنوها أيضاً إرهابيون لا بد من الحجر عليهم. احجبوا صحفهم وقنواتهم. لا تسمحوا لهم بدخول بلادنا. أرفعوا الأسوار على الحدود معهم. وذلك تنظيم عميل يحيك مؤامرة. وتلك مكائد تدبرها قوى خارجية. إنها حرب مفتوحة على الإرهاب من يخالفنا الرأي فيها فهو عدو.
لكن للإنصاف ليس كل ما تطرحه السياسة أو ينقله الإعلام محض مبالغة وافتراء. ليس هذا هو المقصد بالمرة. إنما المقصود أننا نعيش في زمن ملبد بالحقائق غير المكتملة. بالحقائق الملونة. بحقائق تحتاج إلى تفكيك ونقد وتدقيق وإعادة تركيب. فبدون التخلص من جرعات المبالغة السياسية والإعلامية الزائدة يصعب الوصول إلى أقرب صورة دقيقة ممكنة من الحقيقة. فنصف ما تقدمه السياسة ويطرحه الإعلام مليء بالمبالغة أما النصف الآخر فيحتاج إلى مزيد من التحري والتدقيق!!

بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات