كتاب وأراء

الصيـن تخيـب أمـل اليـابـان

تواجه العلاقات الصينية ـــ اليابانية تحديات كبيرة غير مسبوقة. ولئن كان هذا أمرا متوقعا بسبب ما بين البلدين من أحقاد تاريخية معروفة، ناهيك عن تنازعهما حول السيادة على أرخبيل «سيناكوكو»، والتي يطلق عليها الصينيون اسما مغايرا هو «دياويو»، فإن الجديد هو اتساع هوة الخلاف بينهما في السنوات الأخيرة، بسبب مستجدات تتمثل في الموقف من نظام بيونغيانغ الراديكالي، والذي تتحاشى بكين قطع أوكسجين الحياة عنه، فيما تتجرع طوكيو من أعماله الطائشة وسياساته العدوانية.
إلى ذلك هناك تنافس بينهما على الصعيد الاقتصادي يغذيها بروز الصين كثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم وهو المركز الذي كانت اليابان تحتله قبل أن تتراجع إلى المركز الثالث، خصوصا وأن صعودها الاقتصادي يتزامن مع صعود عسكري، ناهيك عما أعلنه زعيمها «شي جينبينغ» خلال المؤتمر الـ 19 للحزب الشيوعي الصيني في نوفمبر 2017 من أنه «يريد صينا قادرة على رسم ملامح نظام عالمي جديد».
ثم يأتي بعد ذلك موضوع العلاقات التحالفية الوثيقة التي تربط طوكيو بواشنطن. وهي علاقات كان الحزب الشيوعي الصيني ينظر إليها على أنها تهديد لنظامه، قبل أن تزداد شكوكه حولها اليوم على ضوء ما يعتري علاقات بكين بواشنطن من خلافات اقتصادية وتنافس حول الدور الدولي والإقليمي لكل منهما.
ومن هنا قيل إن الزيارة التي قام بها مؤخرا وزير الخارجية الياباني «تارو كونو» إلى بكين ذات أهمية خاصة، خصوصا وأنها الأولى منذ زيارة سلفه «فوميو كيشيدا» لبكين، في 2016، ناهيك عن أنها توافقت مع الذكرى الأربعين لتوقيع البلدين على «معاهدة السلام والصداقة».
لكن ما هي نتائج زيارة الوزير الياباني لبكين ولقائه هناك بنظيره الصيني «وانغ يي» وغيره من المسؤولين الصينيين؟ وهل أثمرت الزيارة عن جديد يعتد به؟
ما ترشح عن محادثات الوزير الياباني في الصين لم يكن سوى جملة من الوعود والبيانات الإنشائية المعتادة عن عزم البلدين مثلا على التعاون وتحسين العلاقات البينية. مثل هذا الكلام الجميل قيل في الماضي وتكرر في 28 يناير المنصرم على إثر انتهاء زيارة الوزير الياباني، وإنْ كان الجديد هذه المرة هو إعلان الجانبين عن عزمهما على إقامة خط عسكري ساخن لتفادي أي مواجهات في بحر الصين الشرقي بين دورياتهما. وحتى لو افترضنا جدلا أن هذا الإعلان هو إنجاز، فإن عدم بيان آلياته أو تحديد مدة زمنية لإتمامه يثير شكوكا حول جدية البلدين معا أو جدية أحدهما. ودليلنا هو بيان الخارجية الصينية حول زيارة الضيف الياباني، والذي خلا من أي ترحيب حار، وتضمن فقط الإشارة إلى تحقيق إنجازات متواضعة مثل تعهد طوكيو وبكين بمنع ازدواج الرواتب التقاعدية للعمال المغتربين في البلدين، والاتفاق على إقامة الخط العسكري الساخن المشار إليه.
وبعبارة أخرى، لم يتضمن البيان أشياء أخرى كان يتوقعها المراقبون مثل إجابة صينية واضحة على مقترح اليابان لعقد قمة ثلاثية صينية- يابانية- كورية جنوبية في طوكيو لمناقشة مسائل الأمن الإقليمي وتداعيات مغامرات بيونغ يانغ. إذ كان اليابانيون يعولون كثيرا على الحصول على تأكيد صيني بالموافقة السريعة وغير المشروطة على المشاركة في هذه القمة بسبب ما لبكين من تأثير ونفوذ على بيونغ يانغ، لكن الصينيين اكتفوا بالقول إن القمة تحتاج لعقد جولات كثيرة من الاجتماعات المسبقة، الأمر الذي بدا كمحاولة صينية للتهرب منها ومن استحقاقاتها.
كان اليابانيون ينتظرون أيضا نيل موافقة الصينيين على قيام رئيسهم «شي جينبينغ» بزيارة دولة غير مسبوقة لطوكيو، إلا أن أملهم خاب أيضا. إذ تحاشى الصينيون كليا التطرق للموضوع.
بقلم : د. عبدالله المدني

د. عبدالله المدني