كتاب وأراء

مكر الكبار وإعدام البدائل

- 1 -
في إحدى زياراتي لتركيا، استمعتُ لحديث مُفيد ومُمتع من رجل أعمال سوداني مقيم باسطنبول، منذ أيام الدراسة الجامعية، كان يحكي لي عن سر تفوق تركيا خلال عشر سنوات من حكم أردوغان.
ذكر أسباباً عدَّة لهذه النهضة العشرية، التي قفزت بتركيا من المركز الاقتصادي (111) إلى الـ(16)، بمعدل عشر درجات سنوياً، ودخولها نادي مجموعة العشرين الأقوياء في العالم.
واستطاعت تسديد عجز الميزانية البالغ (47) ملياراً، ودفع آخر دين عليها (300) مليون دولار للبنك الدولي خلال تلك السنوات، وارتفاع صادراتها من (23) ملياراً، إلى (153) ملياراً
-2-
في كل مرة أزور فيها تركيا، تتأكد قناعتي بأنني في حضرة دولة عظمى، بكل ما تحمل الكلمة من معانٍ وأبعاد.
سنوات من حكم أردوغان، فتحت الطريق أمام الدولة التركية، لتتبوَّأ موقعها ضمن الكبار.
الأرقام تنحاز لأردوغان وتنصره على منافسيه.
الأرقام هي التي مكَّنت أردوغان من هزيمة 14 حزباً قومياً ويسارياً في انتخابات الرئاسة الأخيرة.
الأرقام وحدها، هي التي كانت قادرة على إنهاء احتجاجات ميدان تقسيم بسلام.
-3-
من أهم الأسباب التي ذكرها محدثي عن نهضة تركيا في العهد الاردغاني، إصلاح الخدمة المدنية وتحديثها، وإغلاق منافذ الفساد ومحاربة الرشوة التي كانت متفشية في أجهزة الدولة. ما لفت نظري سبب بدا لي صغيراً وقتها لم أُولِهِ اهتماماً.
قال محدثي إن الأتراك حريصون على منع الاستثناءات من الاستمرار في المواقع، لفترة زمنية طويلة، مهما كانت كفاءة المسؤول وقدرته على العطاء.
هذه ليست النقطة المهمة.
المهم الذي انتبهت إليه أخيراً، قول محدثي إن كل مسؤول يحرص على تأهيل خلفه ونقل التجارب والخبرات إليه بكل سهولة ويسر، الأمر الذي يؤدي لاستقرار المؤسسات وتطويرها.
-4-
منذ فترة أتابع بالملاحظة والمعلومات سلوكاً خطيراً في الخدمة العامة في السودان، لا أعرف إلى أي مدى هو موضع انتباه واهتمام مُتِّخذ القرار في الدولة، وهو سلوك قيادي متعدد الجوانب والأوجه.
عدد مقدر من القيادات في الدولة، باتت لهم أساليب وأدوات في ما يمكن أن نطلق عليه تجفيف البدائل وإعدام الخيارات.
بصورة أوضح:
الرجل الأول في المؤسسة المعنية يبذل قصارى جهده، وكل تدابيره، من أجل الاستمرار في الموقع المحدد لأطول فترة ممكنة.
في سبيل ذلك، لا يسعى لتجويد عمله وترقية أدائه، ولكن قبل ذلك يفتح عينيه وأذنيه على المتسع، ليعرف من هم الذين يمثلون الخيار الأمثل لخلافته.
ومن تلك القناعة يؤسس الرجل لوضع خطة لتصفية البدائل داخل المؤسسة بمختلف الأساليب– المشروعة وغير المشروعة– حتى يُتاح له الاستمرار في المنصب على الموسع قدره.
-5-
لا يفعل ذلك وحسب، بل يعمل على ترقية أصحاب العلل الشخصية والمهنية ليحلوا في مواقع أصحاب الكفاءات، وبذلك يستطيع الرجل الأول اصطياد أكثر من عصفور بحجر واحد.
تمكين (أصحاب العلل) من الذين هم أقل كفاءة من القيادة الموجودة يضمن من خلاله الرجل الأول أن يقابل من قبل المصعدين– بغير حق – بولاء مطلق وطاعة عمياء!
في العادة، أمثال أولئك يحرصون على حماية ما وصلوا إليه من امتياز غير مستحق باستدامة رضا المسؤول، ولا يتطلعون لأكثر من ذلك.
حتى حينما يقرر متخذ القرار تغيير الرجل الأول في المؤسسة المعنية لأي سبب، فيبحث في الخيارات والبدائل، فلا يجد من هم أفضل من القيادة الموجودة، فلا يُتاح أمامه من خيار سوى التمديد للرجل الأول باعتباره أفضل السيِّئين، أو اختيار آخر – على مضض – أقل منه كفاءة ومقدرة.
يأتي البديل الاضطراري بإمكانيات أقل من سابقه، ليجلس على المقعد الكبير، ويبدأ ممارسة ذات اللعبة بنفس الأدوات وقائمة الشروط.
-أخيراً-
ومع كل مسؤول جديد ينخفض أداء المؤسسة ويتراجع دورها لتصبح بمقاس وحجم الأقزام الذين على قيادتها.

بقلم : ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال