كتاب وأراء

هو أخير

هو أخير لتفرده في قطريته، هو أخير لتوهمه أن تدفق الريع سيشمله مدى حياته وبعد مماته، هو أخير لاعتقاده بأن حضن الوطن كفيل بحمايته إلى الأبد ضد تقلبات الزمن وأهله، هو أخير كذلك لأنه كان قادراً على معرفة أبناء مجتمعه وعلى تعدادهم فرداً فرداً فاللحمة لاتزال قوية والايثار كان نبراس الحياة، هو أخير لأنه اتكأ على التاريخ واسلم له أمره فالتاريخ لا يعرف الغدر ولا المكر لديه فآمن به كحافظ دائم ومستمر لمكتسباته، هو أخير لأنه ظن أن التعليم الحكومي الموحد هو النبع الصافي لبناء الوطنية وصيانة الأمة، هو أخير لأنه افترض أنه لن يأتي اليوم الذي سيبحث فيه عن عمل في وطنه فلا يجده، هو أخير لأنه لم يفكر ولو لبرهة أن موقعه سوف يتسع لغيره ولو كان على حسابه، هو أخير لأنه وثق بأن المال لا يمكن له أن يسبق القيم الإنسانية، هو أخير لانه أعتقد أن جغرافية الوطن لا يمكن لها أن تتمدد إلى الدرجة التي يصبح معها لا يرى بالعين المجردة، هو أخير لأنه ظن أنه عملة صعبة لا تتدهور قيمتها بمرور الزمن حتى ولم يتدخل البنك المركزي لإنقاذها وهو لم يفعل بالطبع، هو أخير لأنه أراد للحلم الجمعي أن يستمر ولم يدرك أن الأحلام كذلك أصابها التخصيص فالزمن أصبح فردي الطابع والإيقاع، هو أخير لأنه كان يرى ويطمئن بأنه لاثمة حاجة للطلب على أي شيء فكل ما يريده يأتيه جاهزاً وناجزاً حتى الديمقراطية وهي ثمرة تاريخ طويل والدستور وهو ثمرة اتفاق عام يأتيانه دونما جهد أو عناء منه، هو أخير في تصوراته وأحلامه نحو وطنه وأمته ولم يدرك بأن التاريخ حقب وكل حقبة تحمل في طياتها شروط بقائها الخاصة بها دون غيرها، هو أخير لأنه كان يرى التاريخ خطاً مستقيماً يمكن البناء عليه فاطمئن إليه وبنتائجه مستقبلاً، هو أخير لأنه راهن على عدم زوال أو اختفاء الطبقة الوسطى ولم يدرك أن أمراض الرأسمالية المتوحشة تصيب الأطراف بدائها حتى رغم عدم توفر شروط وجودها فيها، هو أخير لأنه آمن بأن الأرض لا تزال تتكلم عربي ولم يدرك أن اختبار «التوفل» تفوق على فصاحة وحكمة أبي الطيب المتنبي وعبقرية المعري وأن تراث بغداد والقاهرة والكوفة وغيرهم تعادله مكتبة صغيرة في احدى جامعات الغرب، هو أخير لأنه آمن وصدق شعارات المصير المشترك ولم يع الىِ أن البقاء للأقوى في عالم اليوم وأنه من «سبق لبق» هو أخير لأنه اعتقد أن المكانة الاجتماعية والجاه الاجتماعي التاريخي لهما الأسبقية دائما وخيولا تحرسهم وجنود.
هو أخير لا يتكرر لانه يمشي في جنازته، فزمانه قد رحل قبله انه بلا زمن اليوم فشروط حقبته التاريخية انتهت فثمة قادم جديد يتخلق ليس له من وطنه سوى الاسم والوثائق الرسمية فلذلك هو أخير في كل شيء إلا في حبه لوطنه وتفانيه وإخلاصه لقيادته.
فالزمن في هاتين سرمدي يختزل الأجيال ويطوي صفحات التاريخ.
بقلم:عبدالعزيز بن محمد الخاطر

عبدالعزيز محمد الخاطر