كتاب وأراء

الهند قبل فوات الأوان

تتسارع الخطى في الهند نحو التحول من دولة علمانية ديمقراطية (أكبر ديمقراطية في العالم 1.3 مليار إنسان) إلى دولة عنصرية هندوسية. ومع هذا التحول يزداد العداء للمسلمين الهنود الذين يزيد عددهم على مائتي مليون إنسان، وبالتالي تزداد الهوة اتساعاً بين الهند والعالمين العربي والإسلامي، وتتقلص الهوة بين الهند وإسرائيل..

اطلق حركة هذا التحول الحزب الهندوسي الذي يتزعمه رئيس الحكومة نارندرا مودي. وهو صاحب سجل حافل بالعداء للمسلمين عندما كان رئيساً للحكومة المحلية في ولاية اندرا برادش. فهو الذي تولى قيادة جماعات مسلحة من المتعصبين الهندوس لتدمير أحد المساجد التاريخية بحجة انه يقوم على تلة كان يوجد فيها معبد لأحد آلهة الهندوس. يومها ذهب ضحية تلك العملية أكثر من ألف من المسلمين. ويتماهى هذا الاعتقاد مع ما تدّعيه إسرائيل اليوم من أن المسجد الاقصى يقوم في جبل الهيكل حيث كان يوجد هيكل سليمان!!
ومع نجاح مودي في اثارة العصبية الدينية الهندوسية ضد المسلمين، اتسع نطاق هذه العصبية لتشمل حركات سياسية محلية أخرى. ويبدو ان هذه العصبية بدأت تدق حتى ابواب مؤتمر الكونغرس الذي قام على أكتاف الرئيس الأسبق جواهر لال نهرو، ومن بعده حفيدته انديرا غاندي.. ثم ابنها راجيف غاندي، وبعد ذلك أرملة راجيف الإيطالية الاصل سونيا. وقد آلت زعامة الحزب الآن إلى ابن سونيا راوول الذي يتطلع إلى استعادة السلطة في الهند من الرئيس مودي ومن حزبه المتشدد.
وفي محاولة لإفشال هذه العملية، يقوم الرئيس مودي وحزبه بتشويه سمعة راوول غاندي من خلال «اتهامه» بأنه يعتمد على أصوات المسلمين في الانتخابات البرلمانية، وأنه من أجل ذلك يؤثرهم على الهندوس.. وحتى على الهندوسية.
ومن أجل ردّ هذه التهمة، قام راوول بزيارات لعدد كبير من المعابد الهندوسية حيث القى سلسلة من الخطب التي تعمّد فيها التأكيد على هندوسيته، وتجنّب الحديث عن حقوق المواطنة والمساواة بين المواطنين على اختلاف أديانهم وعقائدهم، كما كان يفعل قادة حزب المؤتمر على مدى 38 عاماً من تولي السلطة.
مع ذلك، حاول الحزب الهندوسي الطعن «بهندوسية» غاندي الطامح لاسترجاع الرئاسة، فاتهموه بأنه رجل «علماني» لا ديني. وانه أثبت ذلك في سجل التشريفات الخاص بالمعبد. ولردّ هذه التهمة أيضاً تعمّد غاندي ( الحفيد) اثناء زيارته لمعبد «سوما» الشهير أن يضع حول عنقه «الحزام المقدس». ولا يُمنح هذا الحزام الا لطبقة عليا من الهندوس، مثل عائلة غاندي. وهو تشريف ديني يسمو درجات فوق الطبقة التي ينتمي اليها الرئيس مودي نفسه.
وفي مبادرة أخرى لتشويه سمعة راوول غاندي في الأوساط الهندوسية، فقد تولى الرئيس مودي نفسه اتهام رئيس الحكومة السابق ماموهان سنغ (وهو من أقطاب حزب المؤتمر) بأنه يتعاون مع الباكستان لحثّ المسلمين الهندوس على الانضواء تحت لواء الحزب ومعاداة الهندوس والحزب الهندوسي. وفي ذلك اتهام للمسلمين الهنود بأن ولاءهم هو للباكستان، وانهم يتلقون التعليمات منها. غير ان غاندي حرصاً منه على تفشيل هذه المبادرة تعمّد مخاطبة تجمّع من المسلمين الهنود وهو يضع على جبينه «التيلاك» وهو معجون مقدس يعده الرهبان الهندوس في المعابد الهندوسية.
مع ذلك فان موجة التعصب الهندوسي ضد المسلمين تستمر في التصاعد بحيث ان راوول غاندي اضطر إلى التراجع عن كثير من المواقف المبدأية التي سادت العلاقات الإسلامية – الهندوسية في الهند طوال حكم حزب المؤتمر والتي استمرت زهاء ثلاثة عقود.
لقد أطلق الرئيس مودي موجة من العداء للمسلمين لم يعد باستطاعة أي منافس سياسي له أن يتجاوزها أو أن يتصدى لها. ومن هنا الخوف من أن يركب الغاندي الجديد مضطراً هذه الموجة للوصول إلى السلطة في الهند. واذا حدث ذلك ولو جزئياً فان مصير المسلمين في الهند يصبح في خطر حقيقي. ذلك ان التهمة التي تتردد اصداؤها الآن هي ان المسلمين ليسوا هنوداً لأنهم ليسوا هندوساً. وانهم اما أن يكونوا باكستانيين أو بنغلاديشيين.. وبالتالي عليهم الالتحاق باحدى الدولتين، الباكستان أو بنغلاديش. ويكاد لا يمر يوم الا ويتعرض فيه أحد المسلمين للاعتداء على خلفية دينية.
من هنا، وقبل أن يواجه المسلمون في الهند مأساة مماثلة للمأساة التي يواجهها مسلمو ماينمار (الروهينغا) على أساس أنهم اقلية مستضعفة، فلا بد من مبادرة استباقية ما تقوم بها منظمة التعاون الإسلامي مع الحكومة الهندية ومع المجتمع الدولي. وهي مبادرة مطلوبة أيضاً لإنقاذ الديمقراطية في الهند قبل فوات الأوان!!.
بقلم : محمد السماك

محمد السماك