كتاب وأراء

.. البدع «أيام في الذاكرة»

يمثل البدع التقاء الفريج بشاطئ البحر، ينشىء علاقة متفردة بين حيوية الفريج وسكون البحر، ذلك الشارع الممتد من بيت الامير الأب السابق، الذي أصبح «الديوان الخاص» فيما بعد نزولا حتى شاطئ البحر الذي أصبح جزءا من كورنيش الدوحة الممتد على طوله بمحاذاة ذلك الساحل الجميل، بيوت البدع المتداخلة وعوائل البدع المتجانسة المتحابة كانت تمثل بيئة صالحة لنا الاطفال القادمين طمعا في «العيدية» وفرحها بجمعها في أيام الاعياد، نبدأ بالمعارف والاقرباء ثم يصبح الجميع أقرباء ومعارف، مازلت أذكر بيوت أهل البدع من عوائل قطر الكريمة، العطية، والسودان، والسبيع، والربان، العلي المعاضيد، وغيرهم مما لا تسعفني الذاكرة اليوم باستجلابهم إلى لساني. الشيء المختلف في البدع عن غيره من الفرجان الداخلية وفرجان الضواحي هي التصاقه بشاطئ البحر ومازلت أذكر تضاريس ذلك الشاطئ المثالية «للحداق» الأمر الذي يجعل من العيد أيضا بالنسبة لنا نحن القادمين من الريان لزيارة ومعايدة الاقارب فرصة سانحة للحداق أو لتعلم الحداق، فلا نرجع إلا مع الغروب، وغالبا بخفي حنين، بعد أن أنفقنا ما جمعنا من «عيدية» على شراء الخيوط والييَم «الطعم» لصيد السمك والباقي على شرب الشاي والسندويشات في دكاكين البدع وبقالاته القديمة. العشرون أو الخمسون روبية أو ريالات قطر ودبي كانت كفيلة بأن تجعل من أعيادنا احتفالات ومباهج، كان الانسان أكبر من الفلوس وكانت العلاقة الروحية أسمى من الأجسام المادية وكانت التكاسي الصفراء، أكثر التصاقا وحميمية من البنتلي والجاكوار. «البدع» منطقة تاريخيه، عجت عبر الزمن بكثير من الاحداث الهامة في تاريخ قطر، وبها مجتمع نخبوي، من الحاضرة، أو أنه أكثر الفرجان نخبوية.
تأتي منطقة البدع بين منطقة الرميلة، ومنطقة الجسرة، وكلا المنطقتين كانت سكنا لمزيج متناغم من أهل قطر جميعا، ويمثلون جميعا ثقل منتصف الدوحة حيث الديوان الأميري وبيوت الشيوخ بمعنى أن سلخ هذه المنطقة يفقد الدوحة هويتها الأصيلة وتبقى فقط الاطراف فقط بلا قلب،، التاريخ كان أغنى من الجغرافيا، عندما كان البدع قائما بمن فيه كنت أرى كثافة ملحوظة، وبعد أن أزيل وجدت مساحة من الأرض تبدو صغيرة جدا مقارنة بمن سكن فيها فأيقنت أن التاريخ حضور وليس مساحة، وفعل وليس إزاحة. نتذكر الفرجان لأنها جزء من ذاكرتنا الراحلة، التواجد الانساني يخلق المعنى ويحفظ التاريخ ويربط التواصل بين الأجيال.
هناك ارتباط وثيق بين البيئة وسلوك الانسان، الفسيفساء تخلق التآلف والاندماج والعزلة تُذكي التعصب والانفرادية، البدع وغيره من فرجان الدوحة وضواحيها كانت فيسفيساء من التجانس بين الافراد والعائلات، كان يُطلق على الفرد اسم فريجة وليس اسمه الشخصي دلالة على الارتقاء، فيقال هذا من «هل»، البدع وذاك من هل «أهل» الريان وهكذا، كنا اقرب إلى مفهوم الوطن من أي زمن آخر.
بقلم:عبد العزيز الخاطر

عبدالعزيز محمد الخاطر