كتاب وأراء

«كرنفال سوتشي» يكشف العجز الروسي

ليست مجازفة القول إن روسيا قد ندمت على عقد مؤتمر سوتشي قبل انعقاده، وزاد بالأخص من ندمها مجرياته وما انتهى إليه. أي العودة إلى ما كان يعمل فلاديمير بوتين على تجاوزه وحلول سوتشي محله. أي إلى مؤتمر جنيف تحت مظلة الأمم المتحدة.
سوتشي كان أقرب إلى كرنفال منه إلى مؤتمر جدي يبحث عن حل لحرب مدمرة ومستفحلة منذ نحو سبعة أعوام.
كل شيء كان يوحي بذلك، من الحضور الذي فاق 1500 شخص، إلى نوعية المشاركين الذين ينتمون بمعظمهم إلى النظام السوري وأنصاره وأجهزته الأمنية، إلى جو الهرج والمرج الذي ساد المؤتمر، وأخيرا لا آخرا برفع علم النظام على شعار المؤتمر في صدر القاعة تحديا لكل المعارضين، الذين طلب من جاء منهم برفع علم الثورة فرفض طلبه وعاد أدراجه.
هل تقصدت موسكو الإهانة، ولماذا؟ هل انها كانت تشعر بفائض من القوة والنفوذ، ما دفعها إلى الاستخفاف بالمعارضين؟ أم انه انعكاس لخيبة الأمل التي بدأت تلوح في الأفق قبل انطلاق أعمال المؤتمر، ترجمت بالاحتجاج الذي تعرض له وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف خلال إلقائه كلمة الافتتاح باسم الرئيس الروسي. فهل هذا ما دفع بوتين إلى عدم حضور المؤتمر الذي أعدت له موسكو بإتقان وإصرار على مدى شهرين، وحشدت له كل هذا العدد الهائل من المشاركين على طريقة المؤتمرات الحزبية السوفياتية لخطف الأضواء الدولية، ولكي توهم اللاعبين الآخرين انها باتت سيدة اللعبة والقرار سورياً وبالتالي إقليميا...
ومتى كان العدد والفولكلور يصنعان قرارات بهذا الحجم وبهذه الأهمية؟ وكيف يمكن اتخاذ قرارات مصيرية يغيب عنها المعنيون الأولون والأساسيون في قوى المعارضة السورية في الداخل، من مجالس محلية وهيئات مجتمع مدني ومختلف التنظيمات السياسية والفصائل المسلحة التي دعت إلى مقاطعة المؤتمر، ما دفع «الهيئة العليا للتفاوض» لائتلاف المعارضة المنبثقة عن اجتماع «الرياض 2» إلى اتخاذ قرار بالمقاطعة. وهل يكفي مشاركة توليفات معارضة صديقة (ولا تغضب النظام) مثل «منصات» موسكو والقاهرة لتعويض غياب المعارضة الفعلية والحقيقية على الأرض وبهدف تلميع الصورة؟ صحيح ان المعارضة السياسية والمسلحة ليست في أحسن أحوالها، ولكنها بمقاطعتها تحافظ على شرعيتها السياسية لما ومن تمثل.
لم يتمكن المؤتمر الحاشد والصاخب من تغطية مسألتين أساسيتين. الأولى هي الخديعة التي حاولت موسكو تسويقها بفرض تسوية مذلة تقوم على معادلات وآليات جديدة خارج «جنيف-1» وقرارات مجلس الأمن 2118 و2254 عنوانها الهيمنة الروسية وتعويم النظام. والثانية هي حزاقة الولايات المتحدة في حرمان روسيا من ترجمة الانتصارات العسكرية التي حققتها في الميدان وفي ابقاء بشار الأسد واقفا على رجليه من اجل فرض التسوية السياسية التي تريد.
انه درس ان ليس من ينتصر في الحرب يصنع بالضرورة الحل!
قاطعت واشنطن المؤتمر وطرحت ورقة للحل بالاتفاق مع باريس ولندن والرياض وعمان تتضمن صياغة دستور جديد، نظام حكم لامركزي بصلاحيات واسعة، تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية واعطاء دور أساسي لرئيس الوزراء، قضاء مستقل، وانتخابات نيابية ورئاسية باشراف الأمم المتحدة. وكل ذلك يجب ان بسبقه بطبيعة الحال وقف للقتال وخروج الميليشيات الاجنبية من سوريا. في حين تريد موسكو فقط إصلاح الدستور الحالي كما جاء في إعلان سوتشي، وإجراء انتخابات يشارك فيها الأسد، ولا تتكلم عن ضرورة وقف القتال كشرط مسبق لإطلاق العملية السياسية.
أما الحلفاء، فكل يبحث عن ضالته بين ركام الدمار السوري. إيران التي تنظر بعين الريبة إلى دور روسيا المتعاظم شاركت بخجل عبر نائب وزير الخارجية. وتركيا توجهت إلى سوتشي مترددة فيما جيشها يقاتل في عفرين من دون ان يلقى تغطية فعلية من جانب روسيا. فيما انكفأ العرب كل لأسبابه... مؤتمر سوتشي يختتم أعماله بإعادة المبادرة إلى جنيف.
فهل انتهى اذا تفويض موسكو؟ إدارة دونالد ترامب تنتزع المبادرة وتهدد قبل أيام لأول مرة بالتدخل العسكري ردعا لاستعمال النظام غاز السارين.
بقلم: سعد كيوان

سعد كيوان