كتاب وأراء

النظام المعرفي في المجتمع القطري

لفهم أي مجتمع لابد من ملاحظة واستكشاف النظام المعرفي السائد فيه، وكيفية تشكله من فترة إلى أخرى. ومدى ارتباطه بالوعي السائد. لماذا يختلف مجتمع عن مجتمع آخر؟ لماذا يختلف القطري مثلا عن البحريني أو عن السعودي، من ناحية نظرته للأمور وللواقع؟ لماذا يختلف مستوى الرضا من مجتمع خليجي عن مجتمع عربي آخر أو حتى عن مجتمع خليجي آخر. ماهي حقول اكتشاف هذا النظام المعرفي؟ التي يتشكل ويسطر من خلالها على نمط الحياة الاجتماعية؟ ماهي القوى الفاعلة فيه؟ علينا أولا تحديد الأرضية التي يقوم عليها النظام المعرفي بالنسبة لمجتمع كالمجتمع القطري وهي ببساطة تتشكل من ثلاثة عوامل هي أولا: الدين، ثانياً: القبيلة ثم ثالثاً: الريع بعد ظهور النفط، وكل تمظهرات النظام الاجتماعي بعد ذلك ليست سوى تَحَرك هذه الألواح الثلاثة التحتية وما يحصل فيها من انقباض وانبساط. فبينما كان عامل الدين ثابتاً شكلت الصدفة الجغرافية عامل الاقتصاد الريعي الذي أصبح أحد عوامل تشكل النظام المعرفي في المنطقة، كما شكلت العوامل التاريخية بروز القبيلة ومفرداتها سواء كانت عائلة أو حتى فرد، في وقت ما من التاريخ لتصبح عاملاً حاسماً كذلك في تشكل هذا البناء المعرفي. لم يكن نتاجا لديالكتيك مجتمعي تاريخي بقدر ما كان نتاجا لبعدين ماديين هما «الريع» حيث الصدفة الجغرافية، و«الحكم» حيث اللحظة التاريخية، لذلك سنرى أن هذا النظام الاجتماعي عبر المرحلة التي سنعرض لبعض صوره وتشكيلاته وهي المرحلة الممتدة من أوائل الستينيات حتى الوقت الحالي لا يتغير إلا بقدر ما يعيد إنتاج وتجديد هاتين اللحظتين الجغرافية «المادية» والتاريخية. مستنداً على البنية التحتية المعرفية المنتجة للنظام المعرفي،
أولا:لابد أولا من تعريف ماهو النظام المعرفي؟ يعرفه «فوكو» بأنه الأرضية التي تقوم عليها معرفة عصر معين وهو المرتكز الأساسي لخطاب ذلك العصر والفضاء الذي تنتشر فيه موضوعاته والمجال الذي يفرض فيه إكراهاته.
والجدير بالذكر أن الأنظمة الاجتماعية السائدة في المجتمعات العربية هي أنظمة إكراهات وليس أنظمة إنسانية، بمعنى إنها لا تستجيب للمطالب الإنسانية للشعوب إلا مكرهة، لذلك نرى دائما أن هناك انشطارا وصراعا للنظام المعرفي العربي بين جزئه الأيديولوجي الموروث كالدين والعادات والتقاليد الاجتماعية وبين جزئه المتحقق من اقتناص الفرصة أو الصدفة سواء الجغرافية أو التاريخية «العسكر».
كذلك لابد من الإشارة إلى أن هناك مستويين للنظام المعرفي، الأول عميق والأخر سطحي أو ما يظهر على السطح.
البنية العميقة للنظام المعرفي في المجتمع تتمثل كما قلت في عنصري الدين والقبيلة وكذلك عنصر الريع الاقتصادي أما تمظهراتها في المستوى السطحي الظاهر
فتبدو في نمطين من أشكال النظام الاجتماعي سيطرت على المجتمع القطري على النحو التالي
1 - من الستينيات حتى بداية السبعينيات: كانت السمة الغالبة على النظام الاجتماعي هي البساطة حيث لم يبرز أثر الريع بعد بشكل واضح والطمأنينة حيث الفهم المبسط للدين دونما ظهور أو وجود لأي تمظهر للجانب الأيديولوجي في هذا الخصوص فبالتالي كان التشابه هو السمة السائدة في المجتمع على جميع المستويات الاجتماعية والى حد كبير الاقتصادية
2 - من السبعينيات وصاعدا: كان التموضع والاتزان سمتي النظام الاجتماعي السائد، التموضع بمعنى تمكين المتعلمين من القطريين من مفاصل الوظائف وقيام طبقه وسطى حكومية تستقي قوتها من البنية التحتية سواء بالنسبة للدين أو للقبيلة.
بقلم: عبدالعزيز بن محمد الخاطر

عبدالعزيز محمد الخاطر