كتاب وأراء

زيارة اعتذارية أوباما في هيروشيما

الولايات المتحدة الأميركية هي الدولة الوحيدة في العالم التي استخدمت السلاح النووي. واليابان هي الدولة الوحيدة في العالم التي فُجّرت بالسلاح النووي، مرتين. الأولى فوق مدينة هيروشيما، والثانية فوق مدينة ناكازاكي.
اليابان هي التي بدأت العدوان على الولايات المتحدة عندما شنت هجوماً من الجو والبحر على القاعدة العسكرية الأميركية في بيرل هاربور. والولايات المتحدة هي التي أصرت على قصف اليابان بالسلاح النووي حتى بعد توقف القتال وبدء مفاوضات الاستسلام الياباني من دون شروط.
هذا الاسبوع ولمناسبة انعقاد قمة الدول الكبرى السبع في اليابان، وكذلك لمناسبة قرب انتهاء ولايتيه رئيساً للولايات المتحدة، يزور الرئيس باراك أوباما مدينة هيروشيما. وهي المرة الأولى التي «تستقبل» فيها المدينة رئيساً أميركياً لا يزال في السلطة. فقد سبق أن زارها الرئيس جيمي كارتر كرئيس سابق، أي بعد انتهاء ولايته.
طبعاً ليست زيارة أوباما لهيروشيما زيارة سياحية. انها زيارة اعتذارية، حتى ولو لم يقل هو، أو الإدارة الأميركية ذلك. وحتى لو لم يزر أوباما الضحايا من الذين لا يزالون على قيد الحياة والذين عانوا منذ نعومة أظفارهم وطوال هذه السنوات، شتى أنوع الامراض المترتبة عن الاشعاعات النووية.
والاعتذار الأميركي ولو جاء متأخراً، ضروري لسببين:
السبب الأول كما تؤكد الوثائق الرسمية الأميركية هو ان قصف اليابان بالسلاح النووي لم يكن لإنهاء الحرب ولحملها على الاستسلام. لقد توقفت العمليات القتالية فعلاً بعد تدمير طوكيو بالطيران الأميركي. ودخلت حكومة الامبراطور فعلاً في مفاوضات الاستسلام بلا شروط. مع ذلك اصر الرئيس ترومان على القصف النووي لتوجيه رسالة تحذير إلى حليفه السوفياتي الجنرال جوزف ستالين. فقد بدأ ستالين بالتوسع غرباً نحو أوروبة الشرقية. وبالتوسع شرقاً في شمال اليابان. في ذلك الوقت لم يكن الاتحاد السوفياتي قد امتلك السلاح النووي. لقد عرف به من خلال تدمير مدينتي هيروشيما وناكازاكي. ولذلك عندما عقد مؤتمر يالطة بين الزعماء ترومان وتشرشل وستالين، كان الرئيس السوفياتي على غير عادته أكثر انضباطاً وأكثر ليونة مما كان في السابق، كما ذكر ذلك الرئيس تشرشل في مذكراته. فقد تعلم الدرس. ولكن اليابان هي التي دفعت الثمن. الا انه بعد يالطة، كان همّ ستالين اللحاق بالسباق النووي. وقد نجح في ذلك فعلاً. وهكذا بدأت الحرب الباردة.. والتي ظلت باردة بفضل الدرس الياباني الغالي جداً والذي عرّف العالم، وخاصة أصحاب السلاح النووي، ماذا يعني استخدام هذا السلاح!!
أما السبب الثاني لاعتبار زيارة الرئيس أوباما اعتذارية، فهو ان العالم الطبي في ذلك الوقت لم يكن يعرف شيئاً عن الإشعاع النووي، وعن كيفية معالجة المصابين بالإشعاع النووي.
الولايات المتحدة منتجة السلاح ومستخدمته، كانت تعرف. ولكنها لم تقدم أي مساعدة طبية أو حتى معرفية لتمكين اليابان من الاحاطة بالكارثة الكبرى التي حلت بها. فقد احتفظ الأميركيون بالاسرار شهوراً طويلة.. حتى مات عشرات الآلاف من الضحايا الذين كان يمكن انقاذهم.. والذين بلغ عددهم 140 الفاً في هيروشيما و74 ألفاً في ناكازاكي. لقد كانت الأكثرية الساحقة من هؤلاء الضحايا من المدنيين.
اما الوجه الآخر لتلك المأساة الإنسانية فانه يتمثل في العملية العسكرية المفاجئة التي قامت بها القوات اليابانية على بيرل هاربور الأميركية. ومن هنا تشكل زيارة رئيس الحكومة الياباني شينزو آبي في الشهر المقبل (نوفمبر – تشرين الثاني) إلى هذه القاعدة زيارة اعتذارية بالاتجاه الآخر.
تبقى النتيجة وهي انه رغم المآسي الإنسانية المفجعة التي ترتبت عن استخدام السلاح النووي في اليابان، ورغم كل المعاهدات والاتفاقات الدولية التي نصّت على الحد من الانتشار النووي وتخفيضه.. فان الدول الأعضاء في النادي النووي قد تضاعف عددها.. وتضاعف مرات عديدة أيضاً حجم الترسانات النووية التي تملكها الولايات المتحدة وروسيا، وكذلك الصين وبريطانيا وفرنسا واسرائيل والهند والباكستان.. وحتى كوريا الشمالية.
في عام 2009 مُنح الرئيس الأميركي اوباما جائزة نوبل للسلام لتعهده ليس فقط بوقف انتشار الأسلحة النووية، انما لتعهده بإقامة عالم خال من السلاح النووي. فهل يستطيع ان يقنع اليابانيين، وخاصة أهالي هيروشيما من ابناء وأحفاد الضحايا بأنه يستحق الجائزة؟.

بقلم : محمد السماك

محمد السماك