كتاب وأراء

بلبنان.. رجولة أم ذكورة؟


لكم عانيت من سائقي عربات الأجرة في القاهرة وبيروت، ونادرًا ما حوت ذاكرتي عطر ذكرى طيبة لسائق أجرة في هاتين المدينتين.
وكثيرا ما نسمع عن جعجعة سائقي العربات وعن شهامتهم وبطولاتهم لكنها لا تعدو أن تكون جعجعة دون طحن. ونادرًا ما يعلق بذاكرتي طيف رجل بكل ما تعنيه الكلمة، فأنت لا تعدو أن تكون زبونا يتسابق السائقون على التربح من جهله بالأماكن أو بالتسعيرة. إلا هذا السائق الذي تشرفت بالجلوس بالمقعد الخلفي بسيارته. كان رجلا بمعنى الكلمة، يخبرك مشيبه أنه ناهز الستين، وتنبؤك تصرفاته أنه شاب فتيّ ورجل كريم، لا مجرد ذكر بشوارب.
كان آخر يوم لي بلبنان وكنت قد اتفقت معه على مبلغ محدد سلفا لمصاحبتي بسيارته طوال اليوم حيث قضيته بمنطقة «عاليه».
كان الطريق خانقا، وكنت على عجل فمكثت استحثه كل دقيقة أن يسرع، فيما الطريق معطل وقد حاول تهدئتي حيث كنت أخشى الوصول بُعيد السادسة للفندق خشية دفع ثمن ليلة إضافية.
أبدى الرجل تفهمًا لقلقي كما شرع يُطمئنني
:«ليس معقولًا أن يطالبوا بثمن ليلة إضافية لمجرد تأخيرك نصف ساعة».
هدأت قليلًا، وبالفعل وصلت دون دفع غرامة وانتظرني السائق حتى أحضرت حقائبي وحينما وجدت أنه باقٍ على الطائرة خمس ساعات، طلبت منه توصيلي لمطعم قريب من الروشة، ففعل، كما تفهم رفضي ترك حقائبي في السيارة، فأنزل الحقائب بنفسه وأخبرني أنه سيعاود بعد ساعة.
ولأنني وجدت أني لم أتناول أغلب ما طلبته، رجوت النادل أن يجمع لي باقي الطعام لأخذه معي، وعند وصولي المطار، عرضت على السائق أن يأخذ باقي الطعام، فرحب بشدة لعرضي المتواضع ولم يحرجني بل أخبرني أن أسرته ستفرح كثيرا، لكنه رجاني استبقاء بعض من الطعام لأن المؤن داخل أروقة المطار باهظة الثمن.
:«صدقيني يا بنتي ستندمين، أنت الآن شبعانة لكن رحلتك طويلة وربما تجوعين والطعام بالمطار غالٍ».
هذا الرجل حينما ترجل لحمل حقائبي، تمثل لي رجلًا بكل معنى الكلمة، وحينما لم يستكبر عن قليل عطائي تجسد لي رجلًا .
وكثيرا ما تفكرت في الالتباس لدى البعض بين معنى الرجولة والذكورة.
فالرجولة ليست عكس الأنوثة، بل الذكورة هي عكس الأنوثة. أما الرجولة فصفة وليست جنسا، فيما الذكورة جنس لا صفة.
نعم الرجولة صفة قد يتصف بها الذكر فيكون ذكرا، رجلا، أو تتحلى بها الأنثى فتكون أنثى، رجلة.
والآية الكريمة تقول:«أذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر».
فلو كانت رجالًا تعني ذكورًا، لما حجت الإناث، إلا أن رجالًا تفيد أن من سيرتحلون للبيت الحرام قد يأتون مشياً على الأرجل أي مترجلين أو قد يرتحلون على كل ضامر أي راكبين نوقا أو خيلا، أو أي مركبة.
ولكم نرى في عصرنا هذا مترجلين ذكورا وإناثًا، يتركون بيوتهم ويترجلون وينحتون صخرًا لإعالة أسرهم.
فمن يترجل من داره ويعرق لكفالة أسرته بإنفاقه عليهم، فبالتبعية يصبح له دور قيادي ويكون له الحق في أن يقوم بقيادة شؤون البيت كونه أكثر خبرة وجهدا، بينما المرتاح ببيته بغض النظر عن جنسه ويصمم على للمريسة والزعامة مع أنه مَعيل فتعسًا لأنانيته.
أكرر الرجولة صفة وليست جنسا، لكن المشكلة في تأويل النص بالفهم النصوصي الحرفي بصرف النظر عن روح النص ومقصده. وهذا لا يعنون خطأ تشريعيا ولكن خطأ في الفهم المجتمعي لمن لا يبذل محاولة للفهم ويكتفي بتوارث المفاهيم وكأن لسان حاله يقول:«هذا ما وجدنا عليه آباؤنا».
كاتبة مصرية
EMAIL:DALIAELHADIDI@HOTMAIL.COM

بقلم : داليا الحديدي

داليا الحديدي