كتاب وأراء

عطوي ..هل دخل الدولار مرحلة الأفول؟

في الوقت الذي تواجه فيه الولايات المتحدة الأميركية تراجعا ملحوظا في هيمنتها على القرار الدولي والعالم، يشهد على ذلك عمليات التصويت في مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة ضد السياسة الأميركية وتحدي أغلب دول العالم للتهديدات التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بقطع المساعدات المالية عنها إذا ما صوتت ضد رغبات اميركا، كما يشهد على ذلك عجز واشنطن على عدم قدرتها على استصدار القرارات الأممية بفعل استخدام روسيا والصين مرات عديدة للفيتو في مجلس الأمن.
في هذا الوقت بدأت تواجه أميركا حربا من نوع آخر تهدد بإنهاء تربع الدولار على عرش العملات وتضع حدا لسيطرته على حركة المبادلات التجارية بين الدول من ناحية، وإنهاء استخدام الدولار في تجارة النفط وهو ما يجعل الدولار العملة المهيمنة باعتبار النفط السلعة الأولى في العالم من ناحية الطلب عليها وهو ما مكن أميركا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية من التحكم بنظام التحويلات المالية وبالتالي فرض هيمنتها المالية على العالم.
وهذه الحرب يمكن وصفها بالحروب الاقتصادية والمالية الوطنية التي بدأت خوض غمارها، بشكل هادئ لكن بتخطيط وتدرج، العديد من الدول الناهضة اقتصاديا وفي المقدمة الصين، روسيا، الهند، إيران، جنوب افريقيا، البرازيل، استراليا، وتركيا وقطر.. الخ.، من خلال اعتماد عملاتها الوطنية في المبادلات التجارية فيما بينها بدلا من الدولار.
وعندما يتم التبادل بين هذه الدول في معاملاتها التجارية النفطية وغير النفطية بعملاتها الوطنية فهذا يعني أننا أمام ما يزيد عن نصف مساحة العالم وسكانه، أي الثقل الاقتصادي الأكبر اليوم في العالم قد تخلى عن اعتماد الدولار وحدة قياس في تعاملاته الاقتصادية، ما ينعكس بتحسن قيمة العملات الوطنية للدول المذكورة، وتحريرها من التبعية للدولار وما كان ترتبه هذه التبعية من تقيد صارم بنظام التحويلات المالية عبر نيويورك والذي استخدمته واشنطن ولا زالت وسيلة لمعاقبة أي دولة ترفض الخضوع لهيمنتها، أو أي مؤسسة مالية تخرج عن نظام العقوبات الأميركية الذي يفرض على دولة مثل روسيا أو إيران، على سبيل المثال، وهو ما أثار اعتراضات قوية من دول حليفة لأميركا مثل ألمانيا وتركيا، تضررت مصالحها من جراء هذه السياسة الأميركية التي تقوم على فرض الهيمنة والتحكم وتغليب مصلحة أميركا الضيقة، وتجاهل مصالح الدول الأخرى.
من دون أدنى شك أن هذا التطور في التبادل التجاري بوساطة العملات الوطنية سوف يقود إلى إضعاف الدولار كعملة استخدمت منذ انتهاء الحرب العالمية كوحدة قياس في المعاملات التجارية العالمية وتكوين احتياطات الدول من العملات الأجنبية، والقدر الذي يؤدي ذلك إلى تراجع الطلب على الدولار لصالح تعزيز الطلب على سلة من العملات الوطنية الأكثر رواجا في المبادلات التجارية، بالقدر ما يؤدي إلى تراجع سعر صرف الدولار وجعل قوته مرتبطة بقوة الاقتصاد الأميركي، وليس كما هو حاليا يستمد قوته من كونه العملة التي يتم اعتمادها في المبادلات بين الدول وفي تجارة النفط وحتى في عمليات البيع والشراء داخل الكثير من الدول.
إن إلغاء التعامل بالدولار كوحدة قياس في المعاملات التجارية سوف يقود إلى تقويض هيمنته في السوق المالية وصولا إلى إنهاء تربعه على عرش العملات العالمية وبالتالي إنهاء تحكم أميركا بنظام التحويلات المالية في العالم، وبالتالي تحرير العالم من النظام الاقتصادي والمالي العالمي الذي تهيمن عليه أميركا منذ خروجها بعد الحرب العالمية أقوى دولة في العالم وعملت على بناء أوروبا في إطار مشروع مارشال. والتأسيس لإقامة نظام اقتصادي ومالي دولي جديد يقوم على الشراكة والمنفعة المتبادلة بين الدول.
معروف أن هذا النظام الاقتصادي والمالي الدولي الجديد بدأت لبناته الأولى في منظمة شنغهاي للتعاون الاقتصادي ثم في بلورة مجموعة دول البريكس التي أنشأت بنك وصندوقا بديلا عن البنك والصندوق الدوليين المذكورين آنفا، بشروط مختلفة تؤمن بديلا للدول النامية لا يجعلها تحت رحمة رهن ثرواتها وسيادتها واستقلالها كشرط للحصول على مساعدات أو قروض.
وتدشين دول اقتصادية هامة معاملاتها بالعملات الوطنية يندرج كما هو واضح في سياق يصب في خدمة تعزيز إقامة هذا النظام الاقتصادي والمالي الدولي الجديد، مما يعني أن العالم يخطو بخطوات ثابتة ومتواصلة نحو إحداث تغيير حقيقي في النظام العالمي يقوم على التعددية القطبية، يطوي معه مرحلة هيمنة القطب الأوحد.
انطلاقا مما تقدم يبدو من الواضح أن رفض أميركا لمبدأ الشراكة والتعددية واستمرارها في السعي إلى استخدام النظام المالي الدولي النابع من هيمنة الدولار في المعاملات التجارية والمالية سلاحا لفرض العقوبات على الدول التي ترفض هيمنة الولايات المتحدة، هو الذي يدفع الدول المتضررة من هذه الهيمنة الأميركية إلى إيجاد البدائل التي تقود إلى بناء نظام دولي تعددي جديد، سياسيا واقتصاديا وماليا، بديلا عن النظام الأحادي القائم.

بقلم : حسين عطوي

حسين عطوي