كتاب وأراء

مسارات ووسائل فلسطينية لتجاوز «صفقة القرن»


بعد أن كشف صائب عريقات، أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، عن ملامح خطة الإدارة الأميركية للسلام مع إسرائيل المعروفة بصفقة القرن، ومطالبته المجلس المركزي برفضها، أصبح البحث عن بدائل سياسية لها والتحرك المكثف والذكي لاستهلاك الوقت، والصبر على رفضها، هو أفضل المسارات التي يتعين على الفلسطينيين التحرك من خلالها لإفشالها، أو تجاوزها بسلام على الأقل.
الملامح والأسباب التي طرحها عريقات وضمنها تقريره للمجلس في اجتماعه الأخير برام الله، صححت كثيراً من المعلومات الملتبسة التي أحاطت بهذه الصفقة. فوفقاً للتقرير ما هي إلا خطة سياسية شأنها شأن كل الخطط السياسية التي قدمتها الإدارات الأميركية السابقة يمكن قبولها أو رفضها أو تعديلها كغيرها، وقد التصق وصف الصفقة بها؛ لأن إدارة ترامب طرحتها باعتبارها حلاً نهائياً ناجزاً.
تفاصيل الخطة نشرتها أكثر من وسيلة إعلامية عربية، ومن أبرز ما فيها ضم المستوطنات الكبرى بالضفة إلى إسرائيل، وإعلان قيام دولة فلسطينية منزوعة السلاح، والاعتراف الفلسطيني بإسرائيل كدولة يهودية، وإقامة ممر آمن بين الضفة وعزة، واعتبار القدس عاصمة إسرائيل، و«أبوديس» عاصمة لفلسطين!
وفي ما يتعلق بالحدود تتضمن الخطة حدوث انسحاب تدريجي من مناطق فلسطينية مع إعادة تموضع القوات الإسرائيلية خارج «أ» و«ب» بالضفة مع إضافة أراضٍ جديدة إلى «ج»، وتعلن دولة بهذه الحدود بشكل مؤقت.
أما المياه والأجواء فتكون تحت السيطرة الإسرائيلية، وتتكفل دولة فلسطين بإيجاد حل عادل لقضية اللاجئين.
وأخيراً فإنه بالنسبة للأمن تحتفظ إسرائيل بقواتها بطول نهر الأردن والجبال الوسطى وبصلاحيات الأمن القصوى والتوصل إلى مفهوم أمنى مشترك للدولتين كشركاء في السلام، وإيجاد تعاون أمنى ثنائي وإقليمي ودولي.
وبنظرة بسيطة على كل ما تضمنته الخطة الأميركية، فإنها لا تقيم دولة فلسطينية في الحقيقة، وإنما مجرد حكم ذاتي للفلسطينيين أبدى، كما قال عريقات، أو بتعبير آخر وضع حل مضمونه دولة بنظامين، أي دولة واحدة هي إسرائيل، ولكن بنظامين أحدهما للإسرائيليين والآخر للفلسطينيين تماماً مثل نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد).
ومن الطبيعي والأمر كذلك أن ترفض السلطة الفلسطينية هذه الخطة- الصفقة جملة وتفصيلاً، ولكن يبقى السؤال: ما العمل لتجاوز هذه الخطة؟
هنا فإن المتاح من المعلومات يشير إلى توجهين واضحين، أحدهما هو التنسيق مع الاتحاد الأوروبي لترسيخ المسار المعروف وهو تفعيل حل الدولتين، لا حل الدولة الواحدة، كما تريد إدارة ترامب، وتعظيم الدعم الأوروبي للطرف الفلسطيني، وذلك في ضوء عدم موافقة الاتحاد الأوروبي على هذا التوجه الأميركي، وكذلك دفع المزيد من الدول الأوروبية للاعتراف بقيام دولة فلسطين. وفي بروكسل حيث اجتمع محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية مع فيديريكا موغيريني، وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي، قال عباس إن الطريق الوحيد للوصول إلى سلام مع إسرائيل هو المفاوضات بمشاركة وإشراف دولي، وأوروبا شريك حقيقي للسلام في المنطقة ونطالبها بالاعتراف بدولة فلسطين.
الضغط بتحويل مسار المفاوضات من حالة الثنائية بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي برعاية الوسيط الأميركي، إلى حالة الجماعية الدولية وبدور فاعل لأوروبا، ليس هو الورقة الوحيدة، وإنما هناك التصرف المباشر تجاه الطرف الأميركي نفسه؛ حيث الضغط في الفناء الخلفي لإدارة ترامب، وبهذا الصدد نشرت صحيفة معاربف الإسرائيلية مؤخراً تقريراً عن لقاء جمع في لندن بين جون كيري وزير الخارجية السابق وحسين أغا المقرب من الرئيس عباس، وفيه حث كيري على أن يصمد الفلسطينيون طويلاً ولا يرضخوا لضغوط ترامب، وأن يعملوا على تقديم خطة بديلة إيجابية، وألا يركزوا على مهاجمة الإدارة الأميركية، وإنما على ترامب نفسه.
والفكرة هنا هي أن ترامب من الوارد ألا يكمل مدته الرئاسية بالنظر إلى المشكلات التي تلاحقه داخلياً وتحديداً من الديمقراطيين ومن ثم فإن أفضل الطرق هي الصبر واستهلاك الوقت إلى أن يغادر ترامب السلطة وتختفي معه صفقة القرن.
من جهة أخرى فإن نيتانياهو هو المعنى شخصياً بهذه الصفقة، فإذا ما لم يكن ترامب موجوداً خلال سنتين، فإن مصير نيتانياهو هو خسارة الانتخابات المقبلة، ومن هنا أهمية توجيه الضغوط الفلسطينية إلى الداخل الأميركي.
بقلم : د. عبدالعاطي محمد

عبدالعاطي محمد