كتاب وأراء

النظام المعرفي في المجتمع القطري «2»

بادئ ذي بدء علينا أن ندرك أن أهم ما يميز النظام المعرفي العربي السائد هو أنه نظام ديني يتواطأ مع السياسة باستمرار نظراً لاشكالية الفشل في بناء الدولة الوطنية عبر التاريخ، لذلك فهو ليس وعيا خالصا بالانسان الا بقدر ما يعكس ارتباط هذا الانسان بمعتقد ديني يميزه عن المعتقدات الاخرى حتى داخل الدين الواحد. ولذلك اسباب كثيرة، منها عدم قيام عمليه سياسية حقيقية داخل هذه المجتمعات دون ربطها أو استنادها على الدين، وثورات الربيع العربي الاخيرة تدل دلالة واضحة على ذلك حيث لم تلبث حتى تحولت إلى شكل من اشكال الدين أو الصراع الديني. فالنظام المعرفي العربي هو انعكاس لصورة الزعيم أو الرئيس أو الملك المؤمن في ذهنية المجتمع، بل ان أول ما يهرع اليه الزعيم هو تصويره وهو يؤدي الصلاة، أو ادعاؤه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أيده في المنام، أو أنه رأى جبريل وأقرأه السلام وغير ذلك من الادعاءات التي كانت الاحداث الاخيرة في عالمنا العربي مسرحا لها، فعلى الرغم من أن الإسلام دين التوحيد، إلا أن النظام المعرفي منذ البدء نظام شركي في حقيقته السياسة وكل من يحاول الخروج من هذه الشركية يقصى أو يقتل أو يجرى التخلص منه بدعوى دينية في المقام الأول. لذلك يبدو الخروج من ثلاثية الريع سواء بمفهومه الاقتصادي أو الاجتماعي والدين والقبيلة سواء العرقية أو العسكرية، أمرا صعبا للغاية، وهي ثلاثية انتهازية دينية في الحقيقة عبر التاريخ حيث تجعل من الحكم والثروة والعرق اصطفاءإلهيا» والله لا أنزع سربالاً سربلينه الله «أو قميصاً ألبسني إياه الله» «1» كما جاء عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، لذلك فالمجتمعات العربية في الأصل لا تبني نظاما اجتماعيا بقدر ما تمارس أدوارا تنسجم مع النظام الاجتماعي القائم، من هنا ظهرت أزمة «النفاق العام» المستشري حقبة بعد أخرى وشكلا بعد آخر، بما يتناسب مع ظروف كل عصر وكل زمان. ومن هنا ايضا برزت ظاهرة سيطرة «فقهاء الدين» على الدولة العربية، بصفتهم حماة لاستمرار هذا الشكل من النظام المعرفي السائد، بعيدا عن تفاعل قوى المجتمع أو عن الرؤية الحقيقية لتطور العصر، فإذا كان «فوكو» مثلا يتصور أن القرن العشرين هو قرن الانسان بمعنى محوريته في الكون حيث لم يكن ذلك قائما قبل ذلك، وبأن القرن القادم سيعلن نهاية الانسان كمحور للكون بعد تقدم التكنولوجيا والتقنية لتصبح هي محور الكون، فإن عالمنا العربي يحتاج ربما إلى قرون لبداية عصر الانسان فيه، من هنا أرى ضرورة الانتباه عندما نتكلم عن أوضاع نظامنا المعرفي في منطقتنا العربية وفي الخليج بالذات أن ننتبه إلى ثلاث ملاحظات:
الأولى: أن واحديتنا يشوبها ظلال من الشرك.
الثانية: ان الانسان موجود وجودا للاستخدام كوجود المطرقة في يد النجار.
ثالثا: أن كل مجتمع يتحرك ضمن هاتين الملاحظتين السابقتين بعدا أو قربا بمقدار ما يفيض عليه من بقايا الريع الاقتصادي أو الاجتماعي.

بقلم: عبد العزيز الخاطر

عبدالعزيز محمد الخاطر