كتاب وأراء

مستقبل سوريا بعد «سوتشي»

مؤتمر سوتشي الذي انعقد بالأمس بمشاركة مئات السوريين وممثلين عن دول ومنظمات، لن يكون مجرد محطة عابرة. «سوتشي» يؤسس لمسار بديل لعملية جنيف، وهذا ليس حالة استثنائية في تاريخ الصراعات. حتى في منطقتنا حدث وضع مشابه؛ مباحثات أوسلو بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي أنجزت صفقة تاريخية على حساب مفاوضات كانت جارية بمظلة أممية.
مقاطعة أطراف من المعارضة السورية، وغياب دول كبرى عن المؤتمر مثلا طعنا بشرعية المؤتمر، لكن موسكو وبدعم من إيران وتفاهم استراتيجي مع تركيا مصممة على تحقيق إنجازات ملموسة في سوريا.
قوة «سوتشي» ناجمة عن عدة عوامل أساسية اهمها، نجاح عملية آستانة في فرض وقائع ملموسة في سورية أخفقت في تحقيقها آليات سابقة، وعجز مسار جنيف عن تحقيق أية اختراقات معتبرة في الأزمة السورية، إضافة إلى نفوذ روسيا الميداني وقدرتها على التحكم بالأحداث، وتعزيز قدرات النظام السوري على حساب المجموعات المسلحة.
روسيا هي صاحبة اليد الطولى في سوريا وبوسعها أن تقرر مسار الأحداث. لا يعني هذا بالطبع أن حل الأزمة السورية بات في متناول اليد. واشنطن ماتزال حاضرة بقوة، وتنوي تعزيز حضورها في سوريا خلافا لما كان مقررا في السابق. لكن مسارا منتجا وفعالا كالذي يعمل عليه الروس قادر على تهيئة الظروف لعقد صفقة مع إدارة ترامب أكثر بكثير من مسار جنيف الذي وصل جولته التاسعة دون نتائج تذكر.
يؤكد الروس كل يوم أن مؤتمر سوتشي لن يكون بديلا عن جنيف، وهذا ما تريده أطراف عربية ودولية. لكن المؤتمر ومن قبل مباحثات آستانة، تتبنى نفس جدول الأعمال المطروح في جنيف؛ دستور جديد لسورية وانتخابات تشريعية، يسبقها وقف لإطلاق النار وهذا ما تحقق عبر صيغة مناطق خفض التصعيد، بالتزامن مع حرب مفتوحة على الجماعات الإرهابية شاركت فيها وبقوة دول التحالف بقيادة واشنطن، وانتهت بالقضاء على خلافة داعش في الرقة، وطردها من معظم الأراضي السورية، فيما تستعد روسيا وبجهد منفرد للقضاء على تنظيم فتح الشام «النصرة سابقا».
المعارضة السورية منقسمة حول مؤتمر سوتشي، لكن كما حصل من قبل حيال عملية آستانة، ستجد نفسها مضطرة للتعامل مع مخرجات المؤتمر، لأنها لا تملك بديلا فعالا. النظام من جانبه سيعمد إلى تعطيل مسار جنيف لفتح الطريق أمام موسكو كي تمضي بخطتها للحل. والحل كما أشرت من قبل ليس جاهزا على طاولة.موسكو تريد عملية مدارة ومضبوطة تفضي إلى نتائج معروفة سلفا، تضمن مصالحها في شرق المتوسط، وتجديد بنية النظام السوري دون أن يفقد هويته، بوجود الأسد لفترة أطول أو بدونه.
وهذه الصيغة لن تلقى معارضة كبيرة من إيران كما هو مرجح، ولا من تركيا التي ضمنت تماما مصالحها باتفاق على حساب الأكراد.
يبقى أمام موسكو مهمة ليست سهلة وهي تصديق واشنطن على بنود الحل وموافقة الدول الأوروبية الرئيسية عليها، ليتسنى بعد ذلك إطلاق مشاريع إعادة إعمار سوريا، وتوفير مليارات الدولارات لتمويل العملية. وهذه المليارات متوفرة في الغرب بالدرجة الأولى.
بمعنى آخر نحن بصدد عملية تتطلب ثلاث سنوات على الأقل لكي تؤتي أكلها.
بقلم : فهد الخيطان

فهد الخيطان