كتاب وأراء

للمشهد السياسي الأوروبي فرنسا عادت

تلك كانت بداية كلمة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون أمام منتدى دافوس الاقتصادي الذي انعقد خلال شهر يناير 2018، والتي قالها باللغة الإنجليزية. ماكرون ذو الأربعين عاماً يشارك في منتدى دافوس الاقتصادي مستنداً إلى تجربة حزبية أقامها هو عبر تشكليه حزبه الذي قدمه كرئيس للجمهورية الفرنسية، كما تمكن من تحقيق نجاح في الانتخابات المحلية. يشارك ماكرون مستند ايضاً إلى إجراءات إصلاحية تتعلق بالضرائب اتخذها لتشجيع الاستثمارات الخارجية في فرنسا.
لم يكن حديث ماكرون عن عودة فرنسا في الاقتصاد بعيد عن سياقات سياسية عالمية تتخذ فيها فرنسا مواقف واضحة متباينة عن دول مثل الولايات المتحدة الأميركية، كما أن فرنسا تميل إلى العودة نوع من قيادة العالم إلى أوروبا متمثلاً ذلك في دور فرنسي ألماني. كما أن ماكرون يتصدر المشهد السياسي الأوروبي والعالمي في وقت تغادر فيه المنافس التقليدي لفرنسا -والحديث هنا عن بريطانيا – الاتحاد الأوروبي. في هذا السياق تميل فرنسا إلى أن تبقى أوروبا عبر الاتحاد قوية ومؤثرة في المشهد السياسي الدولي من خلال أداء سياسي واقتصادي عالي التناغم.
اول مشاهد ذلك التناغم هو الانتقاد للسياسات الحمائية التي تسعى لها بعض القوى الاقتصادية الكبرى مثل الولايات المتحدة الأميركية والتي يركز رئيسها على أن الأولوية هي لأميركا. الأمر الذي يتسبب في ضرر للاقتصاد العالمي وذلك من وجهة نظر الدول المخالفة للحمائية مثل فرنسا والصين وألمانيا. هذا الموقف من الحمائية كان أهم الرسائل التي حاول زعماء تلك الدول التركيز عليه في كلماتهم في منتدى دافوس الاقتصادي والذي أصبح ومسرحاً لعرض الاختلافات الاقتصادية بين الدول حول مسارات المستقبل العالمي. في هذا السياق يتم التركيز على أن الانفتاح الاقتصادي عامل مهم في تنمية واستقرار الاقتصاد العالمي من خلال المحافظة على مستويات من التنافس تحفز الاقتصاد العالمي لتحقيق مزيد من الانتعاش وتجنب مزيد من الأزمات التي ضاعفت من مشاكل البطالة وزادت معدلات الفقر، كما أنه تلعب دور بعيد المدى في القضاء على الطبقة المتوسطة في مجتمعات متعددة. وهذا كله يقود إلى عدم استقرار اجتماعي وتهديدات تبرز كالجريمة المنظمة والتطرف الديني وموجات الهجرات البشرية التي تعرض ملايين الناس لأخطار حقيقية على حياتهم.
الاختلافات التي ظهرت بين فرنسا وبين الولايات المتحدة في منتدى دافوس الاقتصادي، ربما لا تنطبق على موقف البلدين من الاتفاق النووي الإيراني. ففي حين تعارض إدارة دونالد ترامب الاتفاق وترغب في تغييره، كانت فرنسا ترى أن هناك حاجة إلى إعادة التفاوض على بعض القضايا والحاق قضايا أخرى بالاتفاق مثل برنامج الصواريخ البالستية الإيراني. الموقف الفرنسي هذا دفع إدارة ترامب للتحرك باتجاه الرؤية الفرنسية ربما كنقطة التقاء لتشكيل تحالف ضد الجمهورية الإسلامية وتجنب أن تكون واشنطن وحدها التي تنتقد الاتفاق. كل هذا الجهود بالطبع لم تلق آذان صاغية من طهران التي ترفض التعرض للاتفاق وتتحدث عن خيارات لديها إن تم الضغط عليها. من جهة أخرى ما زالت دول مثل روسيا وألمانيا وبريطانيا بلا مواقف واضحة من مسألة إعادة التفاوض حول الاتفاق النووي الإيراني.
تحدث الرئيس الفرنسي عن عودة فرنسا إلى الاقتصاد العالمي لتؤثر في مساراته ولكي تدفع الاقتصاد الفرنسي أكثر إلى مسارات تنعش الاقتصاد الفرنسي، الذي يرى فيه ماكرون بوابة مهمة لفرنسا لتلعب دوراً في السياسة العالمية بتأثير أكثر، فهل تتحقق العودة بالتأثير المتوقع، ذلك ما ستفصح عنه السنوات المتبقية من رئاسة إيمانويل ماكرون؟
بقلم : محجوب الزويري

محجوب الزويري