كتاب وأراء

«الديكتاتور» أصله طيب

يذكر التاريخ ان نابليون اشتكى مرة من ان الناس يعطونه من السلطة اكثر مما ينبغي وبعد ذلك يصفونه بالديكتاتوري، الديكتاتور يولد على الفطرة، فمجتمعه أو شعبه يدكتره ويؤلهه ثم بعد ذلك يجعل منه اضحية أو مشروعا لأضحية الخلاص، فكرة الخلاص الابدي وغسل الخطايا والذنوب الدينية هي في الاساس رؤية سياسية في مجتمعاتنا لذلك يصبح صنعها وتيرة دائمة ووجعا قائما لا يمكن تصور الحياة بدونه والا تجردت من الرؤية الاخروية القائمة على غسل الذنوب والخطايا والتكفير عنها استعدادا لحياة جديدة بلا ذنوب أو خطايا سرمدية الطابع. الديكتاتور ينشأ بين ظهرانينا، يلعب معنا، يدرس في صفوفنا، يأكل على موائدنا، يتزوج منا، هو طيب في الاساس لا يختلف عنا، من يجعله يختلف هي رؤيتنا له بعد ذلك، عقليتنا المتضاربة تصعد به دون ذنب ارتكبه سوى ان ساقته الاقدار ليتبوأ مقعدا زائلا جعلنا نحن منه دائما وازليا، عقليتنا المتضاربة ما بين الديني والدنيوي تخلط الاثنين لتخرج لنا بما يفسد الارض والعباد. صناعة الديكتاتور إنسانيه الطابع، سريعة العطب عند شعوب، سرمدية البقاء عند اخرى. الديكتاتور نفسه يتفاجأ بكونه ديكتاتورا ولكن بعد حين، لا احد ينبهه، الكل يصلى له ومن اجله، يجهل امره ليصدق ما اتفق عليه الناس، ويتصور نفسه اماما بعد ذلك بعد ان كان قائدا عسكريا أو سياسيا، يصدق انه مرسل من السماء لانقاذ شعبه أو موحى اليه بذلك. يضيق الشعب به وينسى انه من نصبه وألهه، يشتكى الناس من جوره وبطشه وينسى الناس انهم من اهدى سوط العذاب له وامسكه بيده. الديكتاتور كان طيبا في المدرسة وفى صباه وشبابه الأول بل كان وطنيا وقائدا للمظاهرات ضد الاستعمار بل وشارك في حروب الاستقلال وحروب الأمة ولكن كان عليه الا يخرج من جلباب امته الحاضن والمفرخ لصناعة الديكتاتور والا ضاعت عليه مكتسباته السابقة. الديكتاتور كان إنسانا طيبا رومانسيا يعيش هموم امته ويتغنى بأمجادها السابقة وبأغانيها الوطنية ولكن تاريخنا لا تسطره الرومانسيات وتبادل الرأي والاخذ بالتي هي احسن رغم المرويات والنصوص.. الديكتاتورية عبء عند البعض ونزوة وشهوة عند آخرين. قلص شيراك مدة حكم الرئيس المنتخب في فرنسا، بينما البعض لدينا يرى القرن مدة غير كافية لبدئه بالاصلاح الموعود ليعطي مبررا لاستمراره حاكما من قبره أو في صورة ولده أو من يرثه. الديكتاتور صناعة عربية خالصة فكيف نبكي من شيء صنعناه، الحرية قيمة اضعناها فكيف نبكي على شيء اضعناه؟.. الديكتاتور باختصار هو ذلك الصنم الذي يصنعه العربي من التمر قبل الإسلام ليعبده وليأكله بعد اول وهلة من شعوره بالجوع.. قمة التمظهر للشرك الجديد.
قرأت مرة ان اقدم ديكتاتور في التاريخ هو من صنع عصا ووضع في رأسها جزرة ووضعها أمام الحمار الذي ركبه وظل الحمار ماشيا وراءها ليلحق بها وظل الراكب الديكتاتور على ظهره يسير به ولم يصلا إلى الآن. انه اقدم ديكتاتور لأقدم شعب في التاريخ.
بقلم : عبدالعزيز الخاطر

عبدالعزيز محمد الخاطر