كتاب وأراء

عن إهمال الخروج الاستباقي

ماذا تفعل إن أخذك الفضول إلى مكان لا تعرفه ثم فوجئت فيه بخطر عظيم يهددك؟ الأرجح أنك ستهرب. هذه هي الإجابة الرشيدة. وربما لن تقترب منه أصلاً لو علمت مسبقاً بالخطر. لكن بعض الناس لا يحسب الأمور بهذه الطريقة. يدخل أماكن لا يعرفها دون أن يفكر ملياً في المخاطر. والدول مثل الأفراد تقع أيضاً في نفس الخطأ.
أحياناً ما تغامر ثم تدفع ثمناً باهظاً. تتدخل في شؤون غيرها دون أن تفكر من البداية في استراتيجية مخرج. تظن أن الذهاب إلى الخطر أفضل من انتظاره، هذا إن كان الخطر من الأصل موجوداً، وأن الهجوم خير وسيلة للدفاع وأن المصلحة الوطنية تحتم التدخل الاستباقي وأن الضرورات الاستراتيجية تفرض اتخاذ إجراءات احترازية.
وقد استعملت دولة الإمارات مثل هذه التبريرات مؤخراً على هامش الأزمة التي وقعت بينها وبين تونس قبل فترة بسبب منع مواطنات تونسيات من السفر على متن الطيران الإماراتي. ففي وثيقة صدرت عن إدارة تخطيط السياسات في وزارة الخارجية الإماراتية خرجت ربما عمداً أو تسريباً، لا يفرق، وردت ثماني توصيات للتعامل مع المشهد التونسي تزكي دعم شخصيات وجمعيات ومواقع إعلامية تونسية موالية للإمارات وتشجيع حزب نداء تونس، الذي ينتمي إليه الرئيس الباجي قائد السبسي، على فك روابطه بحركة النهضة.
واعتبرت الوثيقة أن النفاذ إلى الداخل التونسي جزء من الأمن الوقائي للإمارات وتصرف استباقي لحماية الذات وإجراء ضروري.
ومثل هذا التدخل الاستباقي ليس بجديد لا على العلاقات العربية ولا العلاقات الدولية. هناك دول كثيرة تدخلت بشكل استباقي في شؤون بل وفي أراضي دول أخرى إما اعتقاداً في وجود خطر يهددها أو لمناكفة حكومة لا تحبها أو احتضاناً لقوى سياسية تفضلها أو للضغط من أجل الحصول على امتيازات وتنازلات. السعودية فعلت ذلك مؤخراً في اليمن فأشعلت حرباً استباقية ما زال أوراها يتسع. وبدلاً من أن تمنع ضرباتها الخطر زادت من حدته وقربت مسافته. وهو نفس ما سبق وكشفت عنه تدخلات لدول أخرى قامت بها أميركا مثلاً من قبل في فيتنام وهاييتي والصومال والعراق ومناطق أخرى حول العالم. فإذا كانت الولايات المتحدة هي أكثر دول العالم أخذاً بفكرة التدخل الاستباقي فإنها كذلك أكثر دول العالم التي عانت من تبعات هذا التدخل.
والتدخل الاستباقي فكرة استراتيجية قديمة طبقتها قوى كبرى عبر التاريخ. والأفكار كما الموضات، تُستورد وتُستعار وتُنقل ويجري إعادة تدويرها. لكن الفارق كبير بين دول عادةً ما تفكر في استراتيجيات الخروج وهي تتدخل وأخرى لا تعرف كيف تخرج حتى لو كانت كلفة تدخلها الاستباقي عالية. حتى الولايات المتحدة لم تمتلك في كل مرة قامت فيها بتدخل استباقي استراتيجية ناجحة للخروج الاستباقي. الاتحاد السوفياتي بدوره له قصة لا تنسى. فقد تدخل استباقياً في أفغانستان ولم يفكر في مخرج استباقي فحفر قبره بيده. وإذا كان هذا هو حال الكبار فما هو وضع دول عديدة في منطقتنا أكثرت من تدخلها الاستباقي ونقلت مشكلاتها إلى الغير دون أن تفكر بعناية في الكلفة والتبعات والتداعيات والمخارج وتوقيت تعديل المواقف وتبديل التحالفات.
التدخل الاستباقي ليس بجديد في العلاقات الدولية. لكنه غالباً ما يتحول إلى كارثة ما لم يرافقه تصور مفصل للخروج الاستباقي. بدون هذا التصور ستكون النتائج فادحة. كلفة بشرية وخسائر مالية ومناخ متأزم وفوضى عارمة. وقد سبق أن أدى إهمال التفكير في المخارج الاستباقية إلى كوارث عربية عديدة. فلم يكن السودان وهو يتدخل استباقياً بعنف في جنوبه القديم ليخسر الجنوب كله لو كان وضع مخرجاً استباقياً من سياسة العسكرة الزائدة ليطبق بدلاً منها سياسة الاحتواء والاندماج. لو كان التفكير في المخرج الاستباقي موجوداً لربما ما كان السودان قد انقسم. ولربما ما كانت مغامرات عربية مكلفة قد جرت كتلك التي تهز المنطقة اليوم بسبب تدخلات عربية عديدة قيل أنها استباقية في سوريا ولبنان وتدخلات أخرى إيرانية تمت في جبهات عربية متنوعة ومشروعات كثيرة مغامرة دعمت قوى سياسية داخلية لكنها شكلت طعنات في ظهر الحكومات الشرعية.
إن التدخل الاستباقي استراتيجية متكاملة لا تصح إلا إذا كان الخروج الاستباقي جزءًا منها. فالأبواب في السياسة كما تنفتح على فرص تغري بالدخول تنفتح بالمثل على كوارث ومصائب توجب الإسراع بالفرار. ولهذا لا يكون التدخل الاستباقي في السياسة صحيح ما لم تكن هناك خطط واضحة من البداية لخروج آمن قبل فوات الأوان. وتلك مسألة لا تحظى على الرغم من أهميتها بما تستحقه من اهتمام في منطقة تعج بتدخلات استباقية غاصت بأصحابها في مشكلات لا يعرف معظمهم اليوم كيف يخرج منها.

بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات