كتاب وأراء

«المبادرة الفرنسية».. نهاية فاشلة متوقعة

تظهر فرنسا تصميماً على عقد اجتماع دولي في الثالث من يونيو المقبل حول عملية السلام في الشرق الأوسط، رغم إعلان حكومة نتانياهو المسبق برفض الفكرة جملةً وتفصيلاً.
وتهدف باريس من وراء الاجتماع إلى التمهيد لعقد مؤتمر دولي في الخريف المقبل، يضع نهاية للصراع العربي الإسرائيلي، ويفضي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة.
لم يكتف نتانياهو بفرض العرض الإسرائيلي، بل سخر منه بطريقة متعجرفة، واقترح على باريس استضافة مفاوضات مباشرة بينه وبين رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس.. وقال: «سأقبل بسرور مبادرة فرنسية مختلفة مع اختلاف مهم: هذه المبادرة يمكن أن تجري في باريس، فهي ستكون مكاناً رائعاً لتوقيع اتفاق سلام».
وفي الوقت الذي كان رئيس وزراء فرنسا مانويل فالس يزور إسرائيل، أجرى نتانياهو تغييراً وزارياً على حكومته، دخل بموجبه إلى الحكومة أكثر ساسة إسرائيل تعصباً وهمجيةً وهو أفيغدور ليبرمان، الذي يعد وعلى نطاق عالمي المتطرف الأكثر عداء للفلسطينيين، والعرب.
لا يمكن للعرب والفلسطينيين، وهم في موقف الضعف إلا أن يقدروا اللفتة الفرنسية تجاه قضيتهم الأولى، في وقت يتجاهلها العالم كله، ويغض الطرف عن الإرهاب الصهيوني الممنهج واليومي بحق الشعب الفلسطيني.
لكن الجميع يدرك مقادير القوة وأوزان القوى المؤثرة في الصراع مع إسرائيل.. طالما كان ملف المفاوضات بيد الولايات المتحدة الأميركية، وإداراتها المتعاقبة، ورغم انحيازها المطلق لإسرائيل إلا أنها وفي محطات عديدة حاولت دفع الإسرائيليين إلى طاولة المفاوضات، والضغط عليهم للتوصل لاتفاق يلبي الحد الأدنى من مطالب الفلسطينيين، إلا إنها فشلت.
إدارة الرئيس الحالي باراك أوباما القت بكل ثقلها لإبرام اتفاق تاريخي بين الطرفين، ومكث وزير الخارجية جون كيري أياما وأسابيع في المنطقة بهدف إقناع الإسرائيليين بجدوى السلام، لكنه عاد بخفي حنين.. بعدها أعلنت إدارة أوباما عن خيبة أملها، واستسلمت للوضع القائم.
الولايات المتحدة تقترب حالياً من الدخول في أجواء الانتخابات الرئاسية، وفي مثل هذه الظروف تنغلق على نفسها، ولا تعود الإدارة قادرة أو راغبة بالعمل الدبلوماسي، بانتظار نتائج الانتخابات، ومن ثم تبدأ المرحلة الانتقالية، تنشغل بعدها الإدارة الجديدة بترتيب بيتها الداخلي، وتحتاج لبضعة أشهر للالتفات إلى المهمات الخارجية.. أي أن الدور الأميركي لن يكون متاحاً قبل ربيع العام المقبل.
الدول العربية التي تفاعلت معها فرنسا بشأن مبادرتها الأخيرة، تعلم ومن خبرتها الطويلة مع نتانياهو، النهاية المؤكدة للجهد الفرنسي، لكنها لا تقول ذلك في العلن، كي لا تبدو في صف نتانياهو الرافض للمبادرة الفرنسية.
وعلى مستوى النخب السياسية، ثمة من يسأل باستغراب عن دوافع التحرك الفرنسي، في وقت تغرق فيه المنطقة العربية بحروب داخلية، وأزمات إقليمية يعجز المجتمع الدولي عن احتوائها. وفي مرحلة تشهد ما يشبه الانسحاب الأميركي من الشرق الأوسط، وتنامي الخلاف مع روسيا حول مختلف القضايا.فكيف لفرنسا وحدها وفي مثل هذه الظروف الدولية المعقدة أن تتصدى لمعالجة قضية عجز العالم كله عن حلها؟
الفائدة الوحيدة المرجوة من التحرك الفرنسي، والفشل الذي يصاحبه، هي تقديم دليل إضافي للرأي العام العالمي بأن حكومة إسرائيل لا تريد السلام مع الفلسطينيين والعرب، وماضية في مشروعها الاستيطاني، وغير مستعدة لتقديم أي تنازلات لحل عادل ومحق لقضية الشعب الفلسطيني.
كل ما يريده نتانياهو هو المفاوضات فقط؛مفاوضات لا تفضي إلى نتيجة، فيما التهويد يمضي على قدم وساق.
هذا المستوى من العدوانية والهمجية والوحشية،لا تجدي معه الحلول على الطريقة الفرنسية الناعمة.
التحرك الفرنسي ينطبق عليه القول العربي المأثور: «رايحين على الحج والناس راجعة».

بقلم : فهد الخيطان

فهد الخيطان