كتاب وأراء

عودة متأخرة لواشنطن لإفساد الطبخة الروسية

ما أن أعلنت الولايات المتحدة عزمها على تشكيل قوة أمنية على الحدود السورية قوامها من الأكراد في قوات سوريا الديمقراطية،حتى اشتعلت الأزمة السورية مجددا. احتجت تركيا وبدأت تحركا عسكريا مضادا في شرق الفرات، وقالت موسكو أنها ستوجد طرقا لمنع الولايات المتحدة من انتهاك السيادة السورية، واعتبر النظام السوري الخطوة عدوانا أميركيا.
البنتاغون حاول أن يخفف من وقع هذه الخطوة لتهدئة الجانب التركي عندما قال إن الأمر لا يتعدى تدريب حلفاء الولايات المتحدة من الأكراد في شمال سوريا على مسائل الأمن الداخلي من أجل منع بقايا مقاتلي «داعش» من مغادرة سوريا، وتحسين الأمن في المناطق المحررة، ولكن أنقرة لم تقتنع بهذا التفسير استنادا إلى أن هذه القوة الأمنية يصل عدد أفرادها لنحو 30 ألف عنصر ويجرى تسليحها بمعدات عسكرية ثقيلة مما يجعلها بمثابة جيش حقيقي يستطيع أن يعزز أهداف الأكراد هناك لإقامة دولة لهم لن تقبل أنقرة بوجودها بأي حال من الأحوال.
ما رفع من درجات القلق عند كل من موسكو وأنقرة هو ما أعلنه ريكس تيلرسون وزير الخارجية الأميركي خلال محاضرة ألقاها في جامعة ستانفورد، عندما استعرض ما أسماه باستراتيجية جديدة للولايات المتحدة في سوريا ستحقق وقفا نهائيا للقتال.وفي ذلك تم التأكيد مجددا على بقاء القوات الأميركية في سوريا. وما رشح عن هذه الاستراتيجية هو أن بقاء القوات الأميركية يستهدف منع عودة «داعش» بما لا تتكرر معه أخطاء الانسحاب الأميركي من العراق، وتحجيم النفوذ الإيراني في سوريا، والتوصل إلى حل سياسي لا يسمح في نهاية الطريق ببقاء بشار الأسد في السلطة. وقوام هذا الحل – وفقا لما طرحه تيلرسون – هو إقامة نظام ديمقراطي في سوريا لدولة مركزية تحظى بالشرعية وتحقق الاستقرار.
مصدر القلق عند أنقرة هو أن الحليف الأميركي يطعنها من الخلف على حد تعبير بعض المسؤولين الأتراك لأنه يدعم الأكراد هناك سواء من خلال القوة الأمنية على الحدود أو إذا ما تحولت إلى جيش، أو بقاء القوات الأميركية ذاته الذي سيصبح عامل دعم وتشجيع لهم مما يدفع أنقرة إلى التورط في صراع مسلح لم تكن تنتظره ولا تريده أصلا.
وأما مصدر القلق الروسي فإنه يتعلق بما تعتبره موسكو تحركا مضادا تماما لما تخطط له من حل سياسي للأزمة السورية. كانت روسيا كانت قد أعلنت منذ فترة الانتصار على «داعش» في سوريا، ولذلك أعلنت انسحاب قواتها من هناك واحتفظت بوجودها العسكري في حميميم وطرسوس. ووقتها شككت الإدارة الأميركية في انتهاء الحرب على «داعش» وأكدت أن الإعلان الروسي متعجل وغير دقيق، وردت موسكو بالتأكيد على سلامة تقديرها للموقف وطالبت الولايات المتحدة بسحب قواتها دون تأجيل. وفي نفس الوقت مضت موسكو في تحركاتها السياسية لإعادة إنتاج لنظام الأسد، وعليه بدت الأستانة وسوتشى بديلا لجنيف وفيينا، وأشار المشهد العام إلى أن موسكو باتت ممسكة بخيوط اللعبة الدبلوماسية للحل السياسي.
ومن الصحيح أن التحرك الأميركي الجديد جاء متأخرا، ويواجه عقبات يمكن أن تؤدى إلى التراجع عنه. تيلرسون نفسه قال في محاضرته إن مقترحات واشنطن الجديدة قد لا تكون أمرا سهلا، ولكن عندما يتعلق الأمر بدولة عظمى لها إمكانيات ضخمة لقلب المائدة على خصومها، فإنه يتعين التأكيد على أن واشنطن واثقة من حساباتها ومن ثم لا يتعين التهوين من تحركاتها الجديدة. وإذا تم النظر لذلك في ضوء ملامح استراتيجية الأمن القومي الأميركي التي تم الإفصاح عنها مؤخرا وتتضمن التنافسية الشديدة مع القوى الكبرى الأخرى وفي مقدمتها روسيا، فإن هذا يؤكد أن واشنطن قررت أن تضع أقدامها في الملف السوري بقوة هذه المرة مهما تكن خطورة التداعيات المترتبة على ذلك. المواجهة بين موسكو وواشنطن قائمة حقا، حيث لن تقبل الأولى بأن تفسد عليها الثانية طبختها في ملف معقد كالملف السوري. والمعنى أن الملف يشهد أشكالا جديدة من الصراع الدولي على عكس الحسابات الروسية الجارية لإعادة إنتاج النظام السوري.
بقلم : د. عبدالعاطي محمد

عبدالعاطي محمد