كتاب وأراء

اكتشاف المعنى أم بناء المعنى ؟

لا يمكن لأي مجتمع ان يتقدم طالما كان همه المستمر هو اكتشاف المعنى وليس بناء المعنى، عند كل مشكلة أو إشكالية تنصب المحاولات على إعادة اكتشاف المعنى والحل لها، محاولة اكتشاف المعنى يعني أنه واحد غير متعدد وهنا يبدأ الخلاف والصراع، بينما محاولة بناء المعنى تعني أنه متعدد متجدد، الماضوية التي نعيشها ولا نكاد نبارحها، تنطلق من محاولاتنا المستمرة لاكتشاف المعنى المستقر وليس العمل على بناء معنى أو معان كما تبنى العمارات، لأن المعنى متجدد ويتجدد دائما لكي يبقى معنى، إحالتنا المستميلة للماضي لإيجاد حلول من داخله تجعل من المعنى واحدا والبحث لاكتشافه كمحاولة البحث عن النفط في أي مكان في هذا المعمورة، فالنفط هو النفط سواء وجد في ألاسكا أو وجد في الصين،، بينما المعنى ليس مادة وإنما فهم تحكمه ظروف وجغرافيا وتاريخ لذلك محاولة اكتشافه تعني تجميد كل هذه الظروف التاريخية والجغرافية والديمغرافية في لحظة واحدة كانت صالحة وتحتمل معنى معينا في حينه، بينما بناء المعنى مشروع يأخذ بالظروف والواقع والوقت، نحن نحتاج إلى بناء مستمر للمعنى في ثقافتنا وليس محاولة اكتشافه باستمرار، ما كان يصلح للسابقين لم يعد يصلح للاحقين بنفس المعنى لا سياسيا ولا ثقافيا ولا اجتماعيا، قلما تقتحم عملية البناء تاريخنا، فمعظمه استعادة واكتشاف، اكتشاف معنى العدالة مثلا لدى بعض الصحابة والتابعين لا يصلح لنا هكذا مجردا، لان ذلك كان ورعا شخصيا لفئة قليلة.. ما نحتاجة اليوم بناء جديدا لمعنى العدالة يأخد مفهوم الرقابة والمشاركة وغير ذلك مما يتفق وتعقد اسلوب الحكم وضخامة المجتمعات والاقتصادات، أيضا نحتاج إلى بناء فقه جديد يتفق وظروف العصر، كذلك نحتاج إلى الاقلال وربما اقفال مصادر الصوت الواحد الذي يدعو لاكتشاف المعنى بدلا من بنائه بالرد إلى الماضي واقتناص صور فوتوغرافية وكأنها المجال العام والسائد. علاقاتنا التي تزداد عمودية يوما بعد آخر مع السلطة وأصحاب القرار على حساب العلاقات الافقية الصحية لبناء المعنى وتصحيح النفوس، دليل واضح على أننا نبحث عن المعنى لعجزنا عن بنائه كما تبنى الاهرامات. المعنى في الحياة هو مستقبل دائم وليس ماضيا تاما، تاريخ الدولة لدينا كأمة هو تاريخ اكتشاف للمعنى، لذلك نُهزم كل يوم ولا نزال نتغنى بحضارة 5000 سنة أو بحضارة ما بين النهرين، أو بالغوص على اللؤلؤ، المعنى الجاثم هناك يحتاج إلى عملية بناء تجعل منه حاضرا يتجسد وليس عملية اكتشاف كما هي قائمة.
بقلم:عبدالعزيز بن محمد الخاطر

عبدالعزيز محمد الخاطر