كتاب وأراء

صراع الثقافات في أميركا

عُرف أستاذ العلوم السياسية الأميركي صموئيل هانتنغتون بكتابه حول «صراع الحضارات». ولكن هانتنغتون وضع كتاباً آخر صدر في عام 2004، أي قبل وفاته بوقت قصير. غير أنه لم تسلط عليه الأضواء إلا الآن في عهد الرئيس دونالد ترامب. ويتحدث الكتاب عن صراع الثقافات داخل الولايات المتحدة.
فمن تقاليد السياسة الأميركية حصر الصراع السياسي بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي. الحزب الجمهوري بقاعدته المسيحية الانجيلية، والحزب الديمقراطي بقاعدته المدنية. ولهذا الصراع مسارحه المتعددة. فالمسيحيون الانجيليون المتطرفون يتواجدون في الولايات الجنوبية، وفي المناطق الداخلية – الزراعية– من الولايات الأخرى.
أما المدنيون العلمانيون فإنهم يتواجدون في المدن الكبرى نيويورك– واشنطن– شيكاغو– لوس انجلوس– سان فرنسيسكو.
ومن تقاليد هذه السياسة أيضاً أن يدور الصراع حول مادة أساسية هي الاقتصاد.
غير ان فوز الرئيس ترامب بالرئاسة فتح جبهات جديدة لهذا الصراع تتناول قضايا ينقسم حولها الرأي العام الأميركي. وفي مقدمة هذه القضايا الحريات العامة.
فقد فرض الرئيس ترامب قيوداً مشددة على هذه الحريات استجابة لمواقف قاعدته الشعبية (الانجيلية). ويتمثل هذا التشدد في الموقف السلبي الذي اتخذه من المسلمين (داخل الولايات المتحدة وخارجها)، والذي تكرس في قراره منع رعايا ست دول إسلامية من الدخول إلى أميركا. كما تمثل في موقفه المعارض للسماح باستخدام الماريجوانا (حشيشة الكيف) حتى لأسباب صحية.
غير ان الانقسام الأشد يتعلق بالموقف من الأميركيين المتحدرين من أصول إفريقية، وبالموقف من الأميركيين المهاجرين من دول أميركا الجنوبية وخاصة من المكسيك.
وبعد سلسلة الاعتداءات التي تعرض لها أميركيون سود في عدد من الولايات الأميركية وبعد انتهاك حقوقهم الانسانية والقانونية في دوائر الأمن، وبعد اتهام إدارة الرئيس ترامب بتغطية هذه الانتهاكات، تشكلت حركة سياسية– اجتماعية جديدة باسم «حياة السود لها قيمة». ويعكس اسم هذه الحركة أسباب إنشائها وأهدافها في الوقت ذاته.
كان البروفسور هانتنغتون قد حذر في كتابه عن الولايات المتحدة من انفجار الصراع الثقافي والديني والعنصري. الصراع الثقافي المتمثل في ارتفاع عدد المتحدثين باللغة المكسيكية. والصراع الديني بين الانجيليين والكاثوليك المتحدرين في معظمهم أيضاً من أصول مكسيكية. والصراع العنصري التقليدي بين البيض والسود.
وقد انفجرت هذه الصراعات الثلاثة في طول الولايات المتحدة وعرضها. واتخذ الرئيس ترامب منها موقفاً متعاطفاً مع الانجيليين البيض الذي يشكلون قاعدته الانتخابية.
ويترجم الجدار الذي يعمل على إقامته على طول الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك مشاعره الشخصية وليس بالضرورة مصلحة الولايات المتحدة. كذلك يترجم تبريره لأعمال العنف التي قامت بها حركة «ك.ك.ك.» العنصرية ضد الأميركيين السود مفهومه للشعار الذي رفعه «لنجعل أميركا دولة عظمى مرة ثانية»، وهو أن عظمة أميركا تقوم على العنصرية البيضاء.
من أجل ذلك يتعرض الرئيس ترامب إلى حملات إدانة في أجهزة الاعلام الأميركية لم يسبق أن تعرّض لمثلها أي رئيس أميركي في السابق. وقد ذهبت هذه الحملات إلى حد اتهامه بأنه بات يشكل خطراً على الوحدة الوطنية في المجتمع الأميركي المتعدد الأديان والعناصر. ومن هنا استعاد كتاب المفكر السياسي الأميركي هانتنغتون أهميته. فقد تنبأ بتعرض المجتمع الأميركي إلى الانفجار. فهل تكون سياسة الرئيس ترامب عود الثقاب الذي يؤدي إلى هذا الانفجار؟.
يجيب عن هذا السؤال بالنفي أستاذ آخر للعلوم السياسية في جامعة بوسطن، هو الدكتور دافيد هوبكنز. ويبرر النفي بأن المؤسسات الاقتصادية الكبرى (المالية والصناعية) لن تسمح بحدوث مثل هذا الانفجار لأنه ضد مصالحها. وبما أن لهذه المؤسسات حضوراً فاعلاً ودوراً مؤثراً في المجتمع الأميركي وحتى في عملية صناعة القرار، فان الحرص على مصالحها يشكل قوة احتواء للأزمات العنصرية واحتواء لها. وقد حدث ذلك أكثر من مرة.
ويبدو أن الرئيس دونالد ترامب يؤمن بهذه النظرية ويراهن عليها. فالنظام الضرائبي الجديد الذي اقره الكونغرس والذي يعتبر أهم انتصار حققه الرئيس الأميركي منذ وصوله إلى السلطة قبل أكثر من عام، يمنح المؤسسات الاقتصادية اعفاءات ضريبية سخية مما يشجعها على اداء الدور المتوقع منها محافظة على مصالحها ومكاسبها في الدرجة الأولى.. وهي مصالح ومكاسب تتماهى مع سياسة الرئيس الحالي (الذي كان هو نفسه أحد كبار رجال الأعمال الأميركيين).
غير ان الأمر عندما يصل إلى الصراع العنصري (اسود وأبيض) والى الصراع على الهوية (أميركي – مكسيكي)، والصراع على الدين (انجيلي – كاثوليكي، ومسيحي – مسلم) فان دور المؤسسات الاقتصادية في ضبط هذه الأنواع من الصراعات واحتوائها غالباً ما يكون دوراً محدوداً. غير ان التجربة الأميركية أثبتت انه كان دائماً دورا فاعلاً.

بقلم : محمد السماك

محمد السماك