كتاب وأراء

صفعات حضارية في وجه بنس

تزوير فظّ، للتاريخ، وللواقع، واستهتار بحقوق الآخرين، وتوفير دعمٍ سخيِ للسياساتِ «الإسرائيلية» ولغطرسةِ دولة الاحتلال. هذه هي خلاصات كلمة نائب الرئيس الأميركي مايك بينس في الكنيستِ «الإسرائيليِ» يوم الاثنين 22 يناير 2018، والذي وصلت به الأمور في التزوير والافتئات، للقول «إنَّ اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل من شأنه أن يُساعد في تعجيلِ مفاوضات السلام».
الإدارة الأميركية الحالية، وقياساً للإدارات السابقةِ، تُسجّل الذروة الأعلى، وغير المسبوقة، في الدعم والتبني الكلي لسياسة اليمين الاستيطاني «الإسرائيلي» المُتطرف، فباتت تلك الإدارة التي تصنع وتُدير القرار الأميركي، لا تختلف عن حزب الليكود وكتلة «البيت اليهودي» وأفيغدور ليبرمان بشأن الموقف من الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، والقضيةِ الفلسطينيةِ بشكلٍ عام.
الفجاجة العالية في كلمة (مايك بنس)، أنها تجاهلت كلياً، وعن سابقِ إصرارٍ وتصميم، غضب ومشاعر الشعب الفلسطيني، ومواقفِ مُجمل الدولِ العربيةِ والإسلاميةِ ومعظم دول العالم، والأمم المتحدة، والتي رفضت قرار الرئيس الأميركي (دونالد ترامب) بشأنِ مدينةِ القدس. بل ولم ينس (مايك بينس) أن يُفصح بشكلٍ أو بآخر عن أهداف زيارته للمنطقةِ، حيث سعى لإقناع العديدِ من العواصمِ العربيةِ بالرؤية الأميركية التي جرى تسريبها بالنسبة لحل القضية الفلسطينية وتحت عنوان (صفقة القرن)، ودفعها لممارسة الضغط على الجانب الفلسطيني لتعطيل تنفيذ قرارات المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، في دورته الأخيرة، وخاصة القرار الذي يقول بفك الارتباط باتفاق أوسلو والتزاماته السياسية والأمنية والاقتصادية.
لقد كان لأداء النواب العرب في الكنيست (13 نائباً من أصل 120 نائباً)، وموقفهم الصارخ من كلمة (مايك بينس) من داخلِ قاعةِ الكنيست ومُلوّحين بصُورة القُدس، وقُبّة الصّخرة تحديدًا، مُذيّلة بجُملةٍ تُؤكّد أنّها عاصِمة الدَّولة الفِلسطينيّة، أثراً طيباً، وكبيراً، ومعبّراً، حين وقفوا في مواجهة ما تفوّه به من كلامٍ وجملٍ، ومن تزوير، فقاطعوا خطابه، وارسلوا بأدائهم هذا، وأمام وسائل الإعلام، رسالة فصيحة، وواضحة، وقالوا للعالم بأسره إن الولايات المتحدة لم تَكُن في أي يومٍ من الأيام وسيطاً نزيهاً ذا مصداقيةٍ، لحلِ القضيةِ الفلسطينيةِ، وأنها الآن تنتقل بسياساتها بخطوة كبيرة في معاداة الشعب الفلسطيني وحقوقه التاريخية، الوطنية والقومية.
ما حصل في الكنيست من إخراجٍ للنواب العرب أثناء القاء (مايك بينس) لكلمته، ووقوف النواب من عتاة قوى اليمين واليمين المُتطرف في «إسرائيل»، ومعهم بعض النواب من المحسوبين على ألوان ما يُسمى بــ«اليسار الصهيوني»، كنواب حزب العمل وفي المقدمة رئيس الحزب (آفي غباي)، ومطالبتهم بإخراج النواب، وتصفيقهم العالي لـ(مايك بينس)، كل هذا يُلخص المشهد السياسي الداخلي في «إسرائيل»، ويُشير لمدى تغوّل مجمل قوى الخريطة السياسية في «إسرائيل»، وإندلاقِ شهيةِ تطرفها ضد الفلسطينيين.
النوّاب العَرب في الكنيست، وجّهوا صفعاتٍ قويةٍ، وبطريقةِ حضارية لــ(مايك بينس)، وانحازوا لشَعبهم، ولمدينتهم القُدس المُحتلّة، وكانوا في قِمّة الشجاعة، وقد عبّروا عن وِجهة نَظرهم، وشَعبِهم من خَلفهم، بِطريقةٍ حضاريّةٍ وديمقراطيّةٍ في مُواجهة مُحتل، يَحظى بِدعمِ دولةٍ تَدّعي أنّها زَعيمة العالم الحُر.
بقلم : علي بدوان

علي بدوان