كتاب وأراء

عن لعن الثورات العربية

قبل سبع سنوات هبت ثورة الياسمين في تونس ثم تلتها ثورة الخامس والعشرين من يناير في مصر لتتبعهما ثورات أخرى شكلت معاً ما عرف بالربيع العربي. وبعد فترة قصيرة من النشوة صحا الناس على كابوس. فشلت كل الثورات وإن كان بدرجات. ومن يفشل عليه أن يتحمل التبعات، وأبسطها ما يجري من لعن لتلك الثورات يرميها بأقذع السمات. وتلك هي لعبة السياسة. من يسقط فيها عليه أن يتحمل النتائج.
ولم تنتظر الثورات العربية كثيراً لتتلقى لعناتها. كانت تخطو، برغم البدايات المبشرة، نحو تعثر شجع لاعنيها على التجريح فيها. قالوا إنها تخريب نفذه عملاء وأصحاب سوابق وتجار رذيلة ومخدرات خرجوا إلى الميادين ليقيموا علاقات جنسية. وقالوا أيضاً إنهم يتلقون كل شيء من السفارات الأجنبية من التعليمات إلى الطعام. لكن لما نجحت بعض تلك الثورات في إسقاط النظام القديم، غيّر لاعنوها تكتيكاتهم. بدؤوا أولاً بالالتفاف عليها ثم أعقبوا بالإتلاف فيها. ولما نجحوا في الاثنين عادوا للإجحاف في حقها. جرى الالتفاف عليها عندما تنكر لاعنو الثورات لماضيهم في خدمة النظام القديم فصادقوا الثوار وادعوا أنهم كانوا معهم. ثم اندسوا بعد ذلك في صفوفهم ليجري الإتلاف. شقوا صف الثوار الذي لم يكن قوياً. أغروا بعضهم بالمال وبالمناصب. شكلوا أحزاباً جديدة ادعت أنها تمثل الثورة بينما كانت تعمل في الحقيقة ضدها. ولما نجح الالتفاف والإتلاف ازداد الإجحاف. عاد لاعنو الثورات ليشتموها جهاراً نهاراً.
وليس غريباً أن يلعن الثورة من تضرر منها. فما من طبقة مستفيدة استقبلت ثورة هبت عليها بالورد والرياحين. الثورات تُلعن من خصومها. هذه مسلمة. لكن الثورات يلعنها أيضاً بعض من شارك فيها. وقد لعن ثوار الربيع العربي بعضهم عندما أكلت كل ثورة أبناءها. فبعد أن تجمعت كل الأجنحة والتيارات لتسقط النظام السابق بدأ كل واحد منها يعمل لإسقاط الآخر. المدني يلعن الديني والديني يلعن المدني. تطايرت اللعنات في كل مكان ولم يعد الثوريون يتحملون بعضهم. المعارض السوري البارز ميشيل كيلو مثلاً أثار جدلاً واسعاً قبل فترة عندما نُشر له تسجيل صوتي وهو يلعن الثورة السورية. لم يلعنها لأنه يعارضها وإنما لأنه لم يعد يحتمل أخطاء من ينتسبون إليها. وصفها بأنها «ثورة لصوص وزعران وسريرية وكذابين ومنافقين». قال «الله يلعن الساعة التي تعرفت فيها على 99 % ممن يسمون أنفسهم ثوار...اتفوه على هيك نماذج». ولم ينفعل الرجل على الثورة إلا بسبب كثرة التخوين بين الثوار. خونوا وخانوا بعضهم وتبادلوا اللعنات إلى أن لعنوا الثورة التي جمعتهم.
حتى العوام الذين خرجوا ليؤيدوا الثورة اختلفت مواقفهم بمرور الوقت. يئسوا منها فبدؤوا بدورهم في لعنها واتهامها بإرباك الحياة. لم يروا أن الثورة المضادة هي التي كانت تفعل ذلك. والعامة معذورون. فخروجهم للنضال السياسي لا يحدث كل يوم. توقعوا لما خرجوا لتأييد الثورة أنها ستغير حياتهم إلى الأفضل جذرياً وبسرعة. لكنهم لما لم يروا إنجازاً يذكر عادوا ليلعنوا ما سبق أن باركوه. وكلما زاد لعن الثورات من أبنائها ومن العامة سهلت مهمة الثورة المضادة والنظام القديم في مواصلة لعن الثورات وتسجيلها في أرشيف التاريخ على أنها مؤامرة وخيانة وكأنها لم تكن يوماً تعبيراً عن حلم جماهيري عريض بانتشال الوطن من عثراته والأخذ به إلى الأفضل.
ولا تُلعن الثورات إلا عندما تفشل. لو كانت نجحت لما كانت لُعنت. وما موسم لعن الثورات العربية الذي يتجدد في يناير من كل عام إلا دليل على فشلها. ومع هذا يجب ألا تدفع جرأة لاعني الثورات العربية إلى تصديق أي شيء يقال عنها. فالثورات ليست مكائد تُدبر وإنما آلام جماعية تخرج بتلقائية. صحيح أنها ترتكب أخطاء وتقع في حماقات. لكن ذلك يستدعي نقدها لا شتمها. وشتان الفارق بين نقد الثورات ولعنها. لعن الثورة يصب في مصلحة الثورة المضادة التي لا يهمها إلا تكريس فكرة الإنسان المنبطح القانع بتعاسته وشقائه. أما نقد الثورات فعمل ضروري. لعن الثورات يشيع صورة الشر المطلق عنها. أما نقدها فيحاسبها ليس على أنها هبت وإنما على ما وقعت فيه من أخطاء مثل التخوين والتزاحم على الغنائم واستباق النصر والانشقاقات.
لكن لأن النقد الذاتي ليس من سمات العقل العربي فقد اتسع الباب على مصراعيه للعن الثورات العربية الجديدة التي ستضاف إلى قائمة ثورات عربية سابقة كان حظها من النجاح أكبر من ثورات الربيع العربي ومع هذا ظل نصيبها من اللعنات هائلاً حتى اليوم. الثورات باليقين ليست هي الحل السياسي الأمثل. كثيراً ما حاولت أن تحقق خيراً لكنها أخفقت. وبدلاً من أن تُنتقد لتصحح مسارها انتهت وهي تُلعن وتدمغ بكل الشرور.
بقلم: د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات