كتاب وأراء

الوعي الناقص

لا يسمى الوعي وعيا إلا حين يكون وعيا بشيء ما. وليس هناك وعي دون قصد. وليس هناك شيء أساسا إذا لم يتحصل الوعي به. مقاصد الوعي أو محدداته التي يجب أن يتجه إليها الوعي في قطر محصورة بحيث لا يتجه إلا غيرها من المقاصد. وبالتالي لا يمكن دراسة كل الظواهر الاجتماعية لأن بعضها لا يقصده الوعي أساسا ولا يتجه إليه، وإن تمكن من ذلك فإنه يتراجع وينحسر لأن الشيء ذاته أقوى وفوق قدرة الوعي للتعامل معه. يسمح للوعي بالاتجاه إلى جوانب معينة دائرية في معظمها وليست رأسية. لذلك ترى القضية تثار ويسلط عليها الوعي المجتمعي ولا تلبث أن تركن بعد ذلك وتدخل في النطاق الدائري للوعي ليستخرجها بعد حين من الزمن ويعاود تدويرها من جديد. يتجه الوعي في هذه الحالة الدائرية إلى الشخصنة كسبيل للخروج من ذلك وهو ما نشهده بين حين وآخر، وذلك لعدم امتلاكه الكامل للوعي بالظاهرة الاجتماعية لأن جزءا كبيرا منها مغيب عنه أو ممنوع من الوعي به ودراسته. لو نظرنا إلى ما يطرح في وسائل الاتصال الاجتماعي وبالخصوص «تويتر» من نقد أو من ردود أفعال على قرارات وقوانين تصدر هنا وهناك سواء متعلقة بأفراد أو بجزء من المجتمع أو حتى بالمجتمع ككل، تجد وبوضوح وعيا بجزء ظاهر أو بأشخاص وليس بالظاهرة ككل، فتجد مثلا هجوما علي مسؤول اصدر قرارا أو اتخذ إجراء وليس على آلية اتخاذ القرار، وقانونية ودستورية ذلك، بل إن هناك من هم خارج الظاهرة في وعي المجتمع بصكوك غفرانية، من هنا تأتي صعوبة عزل الظاهرة ودراستها وهو ما يتطلبه الوعي الحقيقي لمعرفة أسبابها ومسبباتها. تجد مثلا هجوما علي المفاهيم والمصطلحات لأن الوعي المجتمعي توجه إليها بجزئيه كعادته أو بالمسموح له به، فتجمدت المفاهيم والمصطلحات وأصبح لها مدلول واحد ونتيجة واحدة في حين أن بعضها أخذ قرونا ليظهر كمصطلح يحمل في طياته تاريخا من السنين والتجارب العظيمة، فأصبحت الديمقراطية، نوعا من التغريب والليبرالية كفر والحرية تفسخ. لكي يساعد الوعي المجتمعي ذاته بالخروج من هذه الحالة الدائرية يجب أن يتخلص أولا من حالة الانكار لشمولية الظاهرة الاجتماعية التي يريد الوعي بها والتعامل مع هذه الشمولية ليس بالتجاوز عن بعضها خوفا أو طمعا وإنما بالاعتراف بوجودها والسعي لمحاولة إيجاد الحلول لها. قضية المرأة مثلا تحتاج إلى وعي شامل لدراستها وليس إلى وعي مجزأ ومفصل حسب ما يظهره المجتمع وما تخفيه بعض قواه. قضايا المشاركة وحرية الرأي وغيرها كل هذه القضايا من الأفضل للمجتمع أن يعيها وعيا مباشرا ويدرسها كظواهر بعيدا عن قوى التأثير عليها من جهة أو من أخرى. الوعي الطبقي مهم، لكن اذا كان تشكيل الطبقة خارج نطاق إرادتها ومكتسباتها، فإنه يحيل الزمن إلى نقطة واحده يبدأ منها لينتهي.

بقلم : عبدالعزيز محمد الخاطر

عبدالعزيز محمد الخاطر