كتاب وأراء

كوريا الجنوبية تعاني من بطالة شبابها

للوهلة الأولى سيبدو عنوان المقال صادماً للكثيرين ممن عرفوا كوريا الجنوبية كبلد مزدهر، واقتصاد صاعد بقوة، وإدارة لا تترك شيئاً إلا وتخطط له بدقة.
فالحقيقة التي باتت معروفة للجميع أن هذه البلاد استحقت بجدارة وصف «معجزة القرن العشرين»، لأنها استطاعت خلال أقل من نصف قرن فقط أن تقفز من بلد زراعي فقير متوسط دخل الفرد فيه لا يتجاوز المائة دولار إلى ثامن أكبر قوة اقتصادية في العالم يتجاوز معدل دخل المواطن فيه 30 ألف دولار.
وبطبيعة الحال، ما كان هذا ليتحقق لولا إرادة وتصميم السلطة السياسية لإخراج البلاد من تداعيات الحرب الكورية في الخمسينيات بوضع سياسات رشيدة بعيدة عن نوازع الثأر والانتقام من الجيران، بل والاسترشاد بما فعله هؤلاء الجيران، وخاصة المستعمر الياباني السابق، لجهة اللحاق بالأمم الصناعية المتقدمة.
ومن جهة أخرى لم تكن لهكذا سياسات حكومية أن تأتي أكلها لولا مؤازرة ودعم المواطن الكوري الجنوبي المعروف بثقافة الولاء والانتماء، والذي شمر عن سواعده للعمل، فصار يقضي في مصنعه ومعمله ومؤسسته ساعات أكثر من تلك التي يقضيها في بيته وبين أسرته.
غير أن ما يشهده العالم من متغيرات اقتصادية اليوم جعلت كوريا الجنوبية تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية كبيرة، خصوصا في ظل الصعود الاقتصادي والسياسي المتنامي للصين، دعك من مماحكات نظام بيونغ يانغ التي تفرض على سيئول تحصين نفسها عسكريا بتخصيص المزيد من الأموال للشؤون الدفاعية. على أن مثل هذه التحديات ليست جديدة على هذه البلاد، فقد تعرضت لها من قبل، وتحديدا خلال الأزمة المالية العالمية في التسعينيات والتي نجحت في تجاوزها بالرؤى السديدة وتضافر جهود الدولة مع جهود مؤسساتها وشركاتها العملاقة.
وعلى الرغم من هذه الحقائق، فإن الإحصائيات المحلية والدولية تفيد بأن كوريا الجنوبية سوف تحقق في العام الجاري معدلات نمو لا تقل عن 3.2 % بسبب زيادات متوقعة في التصدير والاستهلاك المحلي وجذب الاستثمارات الأجنبية. وإذا كانت الزيادة المتوقعة في التصدير إلى الخارج مردها التقدم التكنولوجي المشهود للبلاد الجاذب للاستثمارات، فإن الزيادة المتوقعة في الاستهلاك المحلي سوف تكون بسبب خطة حكومية لرفع الحد الأدنى للأجور والرواتب.
وإذا ما عدنا للحديث عن موضوع البطالة، نجد أنها بلغت مستوى 3.3 % بصفة عامة لكنها ارتفعت في صفوف الشباب ما بين 15 و30 سنة لتصل حاليا إلى 10 % تقريبا. وهذا الرقم هو الأسوأ منذ أن بدأت الحكومة جمع البيانات حول البطالة طبقا لوكالة «يونهاب» الرسمية للأنباء.
ويجب هنا توخي الحذر عند الحديث عن مصطلح البطالة في هذه البلاد لأن له مفهومين مختلفين: أحدهما يتعلق ببطالة الشباب المستعدين للعمل بصفة دائمة لكنهم لا يجدون من يوظفهم، والآخر يتعلق بالشباب غير المتحمس للعمل من خريجي الجامعات والمعاهد ممن يفضلون وظائف موسمية أو لفترات محددة بدلاً من وظائف دائمة. ويقال إن الفئة الأخيرة يبلغ تعدادها أكثر من مليون نسمة.
وعلى حين لا تستبعد حكومة الرئيس الحالي «موون جاي إن» هذه الفئة الأخيرة من اهتمامها، فإنها تركز على خلق الوظائف للفئة الأولى وفق استراتيجية بدأ العمل بها منذ العام المنصرم ومحورها زيادة الإنفاق الحكومي من أجل خلق ما لا يقل عن 230 ألف وظيفة جديدة في القطاع العام، وتشجيع الشركات الخاصة على التوسع في تعيين المزيد من الشباب مع تقديم دعم حكومي لها، علما بأن الشركات الخاصة العاملة في القطاع الإنتاج الصناعي الموجه للتصدير بلغ عدد العاملين به وفق إحصائيات عام 2017 نحو 4.5 مليون عامل.
بقلم : د. عبدالله المدني

د. عبدالله المدني