كتاب وأراء

الولايات المتحدة.. من كوبا إلى إيران

توصف العلاقات الأميركية ــ الإيرانية والأميركية ــ الكوبية بأنها من أكثر العلاقات تعقيداً في عالم العلاقات الدولية. ذلك أنها علاقات تحكمها الايدلوجيا وليس المصالح فقط، وانها بين دولة عظمى وأخرى ليست في مصاف القوى الكبرى. قررت الولايات المتحدة الاميركية قطع علاقاتها مع البلدين برغبة أميركية، ولم يقف الأمر عند ذلك الحد، بل بذلت واشنطن كل ما بوسعها لتحقيق تغيير داخلي في هذين البلدين.
السمة الواضحة هو أنه لا علاقات سياسية أو دبلوماسية، لكن ثمة مواجهة سياسية ودبلوماسية وأمنية. كما ان هناك تأثيرات اقتصادية شديدة التأثير على المشهدين الداخليين في كلا البلدين.
ما جرى خلال الاعوام 2015 و2016 انتقال من مربع الخصومة المطلقة والعداء إلى لغة التواصل وربما التقارب التدريجي، فالولايات المتحدة قادت جهودا دولية مع اوروبا إلى حل معضلة البرنامج النووي وغادرت واشنطن ولو مؤقتاً مربع تغيير النظام السياسي في إيران، فكان الاتفاق النووي بين إيران والدول دائمة العضوية في مجلس الأمن بالاضافة إلى المانيا. وذاتها واشنطن بدأت هجوماً دبلوماسياً على جارتها كوبا تمثل في فتح السفارة الاميركية والزيارة التاريخية من قبل الرئيس الاميركي باراك اوباما إلى هافانا.
تلك كانت مفارقات لو سئل إنسان عنها في قبل عقد أو عقدين لأجاب انها من المستحيلات.
لم تتغير كوبا فتصبح مقاطعة تدور في دائرة المصالح الاميركية، بل بقيت وبقي معها الفقر والاختلاف المذهل في مستوى الحياة بين البلدين. لم تختف الثقافة الاشتراكية في هافانا وتحل محلها الديمقراطية الاميركية. لم يحصل ذلك لكن العلاقات تغيرت. وفي المقابل لم يختف نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، لكن واشنطن أسهمت بطريقة فاعلة بإعادة تقديمه للعالم من بوابة الاتفاق النووي. أسئلة مشروعة تطرح ما الذي جرى ودفع واشنطن إلى قدر من الايجابية السياسية نحو هذين البلدين؟
يصعب القول إن التغيير الذي حصل انما حدث بشكل مفاجئ، فالقطيعة بين الولايات المتحدة وبين البلدين كانت في ذات الوقت فرصة لاختبار ارادة كل طرف في التمسك في مواقفه. لكن الأهم في فهم ما جرى هو ما يتعلق بالمصالح على اختلاف مستوياتها سواء كانت فردية أو مصالح للدولة.
لقد حرص الرئيس الاميركي باراك اوباما على تسجيل انجازات في ملف رئاسته الشخصي سيتم الرجوع له في حالة الأزمات المشابهة، وسيتم الحديث في المستقبل ربما عن «مبدأ أوباما». تلك مسألة لا يمكن التقليل من دورها في تحريك مسار العلاقات بين واشنطن وبين البلدين المشار لهما.
على صعيد غير بعيد ثمة حالة من السيولة من مشهد القوى الدولية، سيولة يصعب فيها لواشنطن أو دولة تدعي انها قوة عظمى ان تبقى متمترسة خلف مقولاتها السياسية، فاللاعبون الطامحون في ادوار في المشهد الدولي مقبلون بتصميم مع قوتهم الاقتصادية التي تزعج وتنافس الولايات المتحدة الاميركية. وليس أصدق من الصين مثال على ذلك. مشهد السيولة مرتبط ايضا بتغيرات متسارعة اقتصادياً تعصف بالتفوق الاقتصادي لمن ترى نفسها قوى عظمى، فهناك في المقابل قوى اقتصادية ناهضة وطموحة سياسياً حتى وإن لم تقل ذلك.
في ظل «السيولة السياسية» في المشهد الدولي فإن ما يمكن ان تحققه دول مثل كوبا وإيران من ذلك التقارب البطيء والتدريجي من واشنطن قليل ومحدود جداً، ففي الحالة الإيرانية لم يطرأ تغيير جوهري في التصور الاميركي السلبي نحو نظام الجمهورية الإسلامية على سبيل المثال، مثل هذا الامر تدركه طهران وتستعد له عبر قنوات متعددة لمواجهة تبعات الانفراج الاقتصادي الذي يمكن ان يؤدي له الاتفاق النووي. بالنسبة إلى الحالة الكوبية تبدو التأثيرات محدودة ولن تظهر آثار التقارب في وقت قريب.

بقلم : محجوب الزويري

محجوب الزويري