كتاب وأراء

«نار وغضب» .. في وجه ترامب والنظام الأميركي أيضا

للنظام السياسي الأميركي آلياته المستقرة لتحقيق التوازن بين السلطات، ولكن هذا التوازن أصبح مفقودا منذ وصول الرئيس ترامب إلى السلطة، ليس فقط لأن الرئيس ترامب بدا من اللحظة الأولى قيادة سياسية مثيرة للجدل على المستوى الشخصي، وإنما لأن ترشحه وفوزه كان إعلانا بتجاوز المؤسسات والتخلي عن الآليات المستقرة لإدارة البيت الأبيض وعلاقاته مع المؤسسات الأخرى.
من الطبيعي أن تدفع هذه الظاهرة داخل الوسط الأميركي من يقتفي أثر رئيس مثل ترامب بحثا عن إجابة لسؤال شغل قطاعا واسعا من الرأي العام حول الطريقة التي يدار بها البيت الأبيض تحت قيادة شخصية من هذا النوع لا تتوقف عن خلق المشاكل مع من حوله قبل أن تكون مع البعيدين عنه. هكذا كانت رغبة الصحفي مايكل وولف بجريدة نيويورك تايمز الشهيرة من وراء كتابه «نار وغضب في البيت الأبيض» الذي أصبح أكثر الكتب مبيعا في الولايات المتحدة خلال ساعات!
بعيدا عن طبيعة الكتاب التهكمية والمسيئة بالطبع لترامب وإدارته، وعن حقيقة الروايات التي نقلها المؤلف عن نحو مائة موظف التقاهم بشكل أو بأخر من موظفي البيت الأبيض، استطاع الكتاب أن يحظى بالانتشار السريع والضخم لعاملين رئيسيين، الأول هو شخصية ترامب نفسه وعائلته والمقربين منه ممن استعان بهم وهم جميعا وتحديدا ترامب والعائلة يندرجون تحت تعبير المشاهير من الأغنياء. وسمة كهذه كفيلة بإثارة فضول الأميركيين المولعين أساسا بالمشاهير وتتبع حياتهم ولنقل أسرارهم. والكتاب يثير شهية الأميركيين من هذه الزاوية تحديدا. وأما العامل الثاني فهو يتعلق بالانقلاب على مؤسسات السلطة في واشنطن دى. سى الذي دعا إليه ترامب وفريق دعايته خلال الانتخابات، وعندما تحقق له الفوز نفذ فعلا نفس التصور، وهو عدم احترام مؤسسات السلطة بدعوى أنها مصدر للفشل ولا تعمل لصالح الناس وإنما لصالح أفرادها. احتاج لوقت طويل لاختيار كبار وزرائه ومساعديه، وقام بتغيير بعضهم سريعا، واتجه إلى إقامة علاقة مباشرة بينه وبين أنصاره من الشعب الأميركي مستخدما تغريداته كل صباح (أصبحت جزءا من جدول أعماله اليومي كما قال مؤلف الكتاب).
وكان الشخص الرئيس الذي اعتمد عليه مؤلف الكتاب للولوج إلى داخل البيت الأبيض والتحدث مع المصادر هو ستيف بانون الذي عمل مستشارا لترامب واختلف معه واستقال أو أقيل. خطوة كهذه لم تكن تتم وفقا للتقاليد السابقة في عمل مؤسسة بهذه الأهمية كالبيت الأبيض. ولم يكن معهودا في التقاليد الأميركية من قبل أن تنخرط أسرة الرئيس في إدارة عمل البيت الأبيض ولكنه حدث. وقد اتهم بانون في الكتاب دونالد جونيور إبن الرئيس بالخيانة لأنه التقى محامى روسي (التدخل الروسي في الانتخابات). صحيح أنه اعتذر له وانتهى الأمر،ولكن الكلام مؤشر على غياب التقاليد في إدارة البيت الأبيض. وتطرق الكتاب لاتهامات أخرى تتعلق بجاريدكوشنير صهر ترامب. وأما مسالة الاعتماد على التغريدات ففي حد ذاتها تعبير عن التوجه الأساس المتعلق بتجاوز المؤسسات، والاستناد إلى الشعبوية لضمان الشرعية والاستمرار في السلطة.
تأثير العوامل الشخصية مهم بكل تأكيد، إلا أن الأكثر أهمية للمعنيين بالعلاقات مع الولايات المتحدة هو مدى احترام ترامب للمؤسسات والالتزام بقواعدها، والخطورة هنا تكمن في أن البيت الأبيض لا يحظى بمساندة قوية كانت أم ضعيفة من جانب المؤسسات مما يسمح للجميع بالخروج عن التقاليد المتعارف عليها، فلا يصبح غريبا أن يظهر في الساحة الأميركية أكثر من «نار وغضب»، فذلك هو حال المرحلة وعنوانها. ولا شك أنها سمة تشكل مشكلة لكل المتعاملين مع إدارة من هذا النوع وقيادة مثل ترامب، حيث تغيب التوقعات لأي موقف أميركي خارجي، وتهتز الثقة ومن ثم يتراجع مستوى التعاون المتبادل.
لقد شد الكتاب اهتمام الأميركيين لأنهم مولعون بتتبع الحياة الشخصية لكبار المشاهير. وبالمقابل رد ترامب وفريقه بقوة حفاظا على الشعبية، ولكن في النهاية خرجت أحشاء المطبخ السياسي الأميركي إلى المجال العام. هكذا جاء الكتاب ليس فقط مجرد محاولة اغتيال سياسي لشخص ترامب، وإنما للنظام السياسي الأميركي أيضا.

بقلم : د. عبدالعاطي محمد

عبدالعاطي محمد