كتاب وأراء

الصين والتخطيط .. أين ذلك المليار؟

عدت منذ شهر تقريبا من زيارة إلى جمهورية الصين الشعبية استغرقت عشرة أيام ضمن وفد من الأحزاب العربية ورجال الإعلام وبعض الأكاديميين العرب كمبادرة من الحزب الشيوعي الحاكم لمد جسور الصداقة والحوار بين العالم العربي والصين، ولتقديم مشروع حزام وطريق الحرير والذي تعول علية الصين كثيرا في خطتها الاقتصادية المستقبلية لتحفيز معدلات نموها مرة أخرى والرجوع إلى قيادة الاقتصاد العالمي عن طريق ربط وسط أسيا وغربها بأفريقيا وأوروبا.
أول ما أثار انتباهي وانتباه معظم أعضاء الوفد العربي الزائر حين نزولنا في الصين هو السؤال الذي يعنون هذا المقال: أين ذلك المليار وثلث من البشر؟
حجم السكان في الصين هو الأكبر والاضخم في العالم (1.367.485.388) حسب تقدير يوليو 2015 أي أكثر من مليار وثلث نسمة. وهو رقم غير عادي يمثل 18% من سكان الكرة الأرضية وحوالي أربع مرات ونصف حجم سكان الولايات المتحدة و42 مرة حجم السعودية وحوالي 427 مرة حجم قطر ورغم ذلك لم تكن هنالك أي مظاهر للتكدس السكاني في المدن التي زرناها أو في العاصمة بكين. بل على العكس حركة المرور سهلة ويسيرة ورغم الحجم الشاسع لمدينة بكين وطول المسافات بين أطرافها إلا ان المرور لم يتوقف ولم تتحول المدينة إلى كراج كبير كما يحدث في عواصمنا العربية.
والجواب بالطبع على سؤال عنوان المقال هو أن المليار وثلث إما يعملون في أيام الأسبوع أو في أماكن قضاء الأوقات الترفيهية في عطلات نهاية الأسبوع كمراكز التسوق والحدائق العامة والملاهي والمسارح إلى آخره. ولماذا عدم التكدس؟ لإن هنالك تخطيطا وتخطيطا شاملا وممتدا من الفترة القصيرة إلى المتوسطة إلى الطويلة. ولأن الصين بلد كبير وشاسع وممتد (مساحة الصين أكثر من مليار كيلومتر مربع وهي ثالث أكبر دولة في العالم مساحة بعد روسيا وكندا)، فإن عدد المدن والقرى فبها يتناسب مع مساحتها وعدد سكانها حيث يوجد بالصين أكثر من 660 مدينة منها أكثر من 160 يقطنها أكثر من مليون نسمة.
فقط لابد أن أذكر هنا مرة أخرى أن التخطيط وبعض القدرة على استشراف المستقبل الذي ينقص الكثير من الدول العربية هو سبب عدم التكدس والازدحام الذي يستنفذ الطاقات وتكون كلفته الاقتصادية هائلة وكلفته النفسية والاجتماعية غير الملموسة طائلة.
فقط للمقارنة والتي قد تكون ظالمة أريد أن أسأل كيف للمخطط العمراني في مدينة مثل الدوحة أن يبني حيا سكنيا كاملا ومتكاملا بكل مرافقه واحتياجاته مثل «لؤلؤة قطر» ولا يكون لها سوى مخرج ومدخل واحد تقف فيه السيارات عند ساعات الذروة وأيام العطلات بالساعات. وكيف لا تراعي معايير الحماية والأمان وماذا سيحدث لو لا قدّر الله أراد جميع السكان أن يخرجوا من اللؤلؤة بسبب طارئ مثل حادث حريق أو ما شابه خروجا جماعيا.
أعاننا الله على عدم تخطيطنا وعدم قدرتنا على النظرة المستقبلية التي هي اما الآفة التي تعيق تقدم الأمم كما في حالتنا أو السبب الأساسي في رقيها وتقدمها كما في الحالة الصينية.

بقلم : حسن يوسف علي

حسن يوسف علي