كتاب وأراء

في الذكرى المئوية لميلاد جمال عبدالناصر

هلت علينا منذ أيام الذكرى المئوية لميلاد جمال عبدالناصر، الزعيم الذي ما زال يحظى بمكانة عالية في قلوب وعقول الملايين من المصريين والعرب، بل وفي العالم أجمع.. ورغم رحيل الرجل بجسده عن عالمنا منذ ما يقرب من نصف قرن، إلا أنه مازال يعيش معنا بكل ما يرمز إليه من معاني النضال وبإنجازاته وإخفاقاته الكبرى، الأمر الذي يقدم دليلاً في حد ذاته على أنه كان أحد العمالقة الذين تمكنوا من وضع بصمتهم الخاصة على تاريخ المنطقة والعالم..
فقد ولد في 15 يناير من عام 1918 ورحل عن عالمنا في 28 سبتمبر من عام 1970، أي أن عمره لم يتجاوز 52 عاما، ملأ فيها الدنيا وشغل الناس ولايزال يمارس تأثيره بعد ما يقرب من نصف قرن على رحيله.
أعداء عبدالناصر، وهم كثر، ما زالوا يرونه مجرد قائد لانقلاب عسكري حمله إلى السلطة على ظهر دبابة، ومكنه من الاحتفاظ بها منفردا طوال حياته، ثم رحل عن عالمنا مهزوما بينما جزء من أرض بلاده محتلة.. غير أن هؤلاء ينسون، أو يتناسون أن نظام ما قبل عبد الناصر كان يتداعى ويلفظ أنفاسه الأخير، بعد أن لحقت به هزيمة عسكرية في فلسطين عام 48 ودفعت به التناقضات الاقتصادية والاجتماعية إلى شفا حافة حرب أهلية، بدليل اندلاع حريق القاهرة في 26 يناير 1952. كما ينسى هؤلاء، أو يتناسون أن تنظيم الضباط الأحرار»، الذي صنع «الانقلاب» ضم في صفوفه رموزا تمثل مجمل أطياف الحركة الوطنية في مصر من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، بدءا من جماعة الإخوان المسلمين يميناً وانتهاء بالشيوعيين يساراً، الأمر الذي شكل في حد ذاته دليلاً على عبقرية عبدالناصر المبكرة.
إنجازات عبد الناصر أكثر من أن تحصى.. فعلى صعيد تحرير الإرادة والاستقلال الوطني، استطاع عبدالناصر إجلاء المحتل البريطاني، وكسر احتكار السلاح بصفقة الأسلحة مع الاتحاد السوفياتي، وتمكن من تأميم قناة السويس، وصمد أمام عدوان ثلاثي خرجت منه مصر منتصرة سياسيا وقادرة على لعب دور فعال على الصعيدين الإقليمي والعالمي، الأمر الذي مكنها من دعم حركة القومية الداعية إلى الوحدة العربية وإلى الوقوف في وجه المشروع الصهيوني التوسعي، والمساهمة بقوة في بناء حركة عدم الانحياز المناهضة للاستعمار والداعمة لحركات التحرر الوطني. وعلى صعيد التنمية والتحرر الاقتصادي والاجتماعي، استطاع عبد الناصر خوض معارك الإصلاح الزراعي، وبناء السد العالي، والتصنيع.. الخ.
أخطاء عبد الناصر كانت بدورها كبيرة وأدت، على الصعيد الداخلي إلى تقييد الحريات وشيوع حالة من الخوف وفقدان الأمان، وضمور الحياة السياسية والحزبية، وتعطيل حيوية المجتمع المدني ونشاط الجمعيات الأهلية، كما أدت على الصعيد الخارجي إلى فشل تجربة الوحدة بين مصر وسوريا، واستدراج الجيش نحو وحل حرب أهلية في اليمن مهدت الطريق أمام عدوان إسرائيلي تمكن من توجيه ضربة قاصمة ليس لمصر وحدها وإنما للعالم العربي كله.. ومع ذلك فقد كانت تلك أخطاء في الحسابات السياسية، ولم تكن ناجمة عن فساد أو خيانة لآمال الشعوب وطموحاتها.. لذا ظل عبد الناصر قبل وبعد الهزيمة يسكن قلوب الشعوب العربية، وهو ما تجلى بوضوح في مناسبة عدة: في نهاية الخمسينات، حين زار دمشق عقب إتمام الوحدة وحملت الجماهير السورية سيارته على الأعناق، وبعد هزيمة 67، حين خرجت الجماهير المصرية تطالبه بالعدول عن التنحي كما خرجت الجماهير السودانية لاستقباله وهو في طريقة لحضور «قمة الخرطوم»، وحين وافته المنية في 28 سبتمبر عام 1970، حيث حملت الجماهير نعشه فوق بحر من الدموع.
كان عبد الناصر زعيما وطنيا وقوميا مستبدا، لكنه لم يكن أبداً فاسداً أو خائناً أو عميلاً، الأمر الذي يفسر المكانة التي ما زال يحظى به في قلوب الجماهير حتى الآن.. ففي الليلة الظلماء يفتقد البدر!!.
بقلم: د. حسن نافعة

د. حسن نافعة