كتاب وأراء

حتى لا ترحل الذكريات (4)

قد يعتقد المرء ان تصرفه في لحظات الخطر الشديد سيكون دائما بالبحث عن دروب النجاة، لكنني واجهت موقفا قبل سنوات لم يعمل فيه سوى الجزء المهني من عقلي في حين كان الموقف يتطلب تشغيل الأجزاء الأخرى وبدلا من تشغيل جميع الغرائز التي قد تضمن لي البقاء، وجدتني اتعامل مع الخطر المحدق بي بطريقة مهنية صرفة، أي كصحفي في تغطية إعلامية!
قبل نحو ست سنوات وتحديدا في خلال زيارة عمل للمملكة المغربية كان عقلي مهنيا بامتياز غير معهود بل كان يقطر مهنية وهو يفكر في عنوان صحفي لظرف كان يستدعي ان يطلق الادرينالين في اوصال جسدي.
في قطار حملني من الدار البيضاء إلى مطار محمد الخامس، وتحديدا في مقصورة الدرجة الأولى التي كان جل ركابها طلابا اميركيين من الجنسين في طريقهم إلى بلادهم بعد ان أنهوا رحلة سياحية.. اقتحم المقصورة شاب ملتح يضع يديه في معطفه الجلدي بشكل بدا وكأنه يخفي تحته شيئا.
ثم توجه إلى اكبر الطلاب سنا وسأله وهو ينبهه إلى انه يحمل شيئا خطيرا في معطفه، إذا ما كان جنديا من المارينز. الشاب الاميركي الذي لم يتجاوز الثامنة عشرة بحال اصيب بالذهول فالتفت إلى باقي المجموعة التي لم تكن تقل عنه ذهولا وصرخ بهم بصوت عال ما اذا كانوا قد قتلوا اطفالا في غزة والعراق، ولانني كنت العربي الوحيد في تلك المقصورة فقد اعتقد الرجل الملتحي أنني معهم فوجه ذلك الشيء الذي يفترض انه يحمله تحت معطفه إلى وجهي واخذ يصرخ بالانجليزية.. هل تحمل رشاشا في حقيبتك؟ هل قتلت أيا من اطفال المسلمين؟
جوابي كان سريعا.. قلت له لا يا اخي انا عربي مسلم مثلك وأصولي من فلسطين.. لكن جوابي لم يقنعه بل اتهمني انني يهودي متخف فاستمر يهدد ويتوعد وهو يخفي يديه داخل معطفه، وكنت كلما حاولت الاقتراب منه علي أنجح في السيطرة عليه يصرخ في وجهي قائلا: لا تقترب سأفجر القطار بكم أيها الكفار!
ومنذ تلك اللحظة حتى وصولنا إلى المطار أي طوال 10 دقائق تقريبا وانا افكر في عنوان صحفي يمكن ان يختصر هذه الملهاة.. بل انني اخذت افكر بنوعية العناوين التي يمكن ان تكتبها الصحف وتلك التي ستستخدمها المواقع التي يلجأ اليها المتطرفون وما اذا كنت سأتحول في نظرهم إلى عميل لاقى ما يستحق من جزاء.
في النهاية توقف القطار في المحطة ونزلنا جميعا وبقي الشاب الملتحي يلعننا ويتهددنا حتى اختفينا عن ناظريه ودخلنا المطار.. أما انا فقد قضيت الساعات الثماني التي استغرقتها رحلة الطائرة من الدار البيضاء إلى الدوحة وأنا ألعن عقلي «المهني» الذي كان يمكن ان يكلفني حياتي لو كان ذلك الشاب أقل جنونا وأكثر تصميما!

بقلم : لؤي قدومي

لؤي قدومي