كتاب وأراء

الغوطة تستغيث من تحت الحصار الخانق

يبدو أن عامل الوقت لا يعمل لصالح «القيصر الروسي» الذي يركز جهوده على عقد «مؤتمر سوتشي» آخر هذا الشهر. فقد تمكن فلاديمير بوتين خلال وقت قصير نسبيا من إحكام قبضته على مجريات الحرب السورية وضبط كل اللاعبين على إيقاعه عسكريا ثم سياسيا، بما فيهم الولايات المتحدة التي خضع رئيسها قبل أيام لفحص السلامة العقلية. ويسعى بوتين الآن لفرض التسوية التي بدأها في إقامة «مناطق خفض التوتر» ونقلها إلى «أستانة» ثم «سوتشي» على انقاض «مؤتمر جنيف».
ولكن أول دعسة ناقصة هي محاولته تطويع المعارضة وجرها إلى «سوتشي» وجعلها مجرد ديكور متجاوزا قرارات «جنيف- 2» وقرار مجلس الأمن 2254 اللذين ينصان على قيام حكم انتقالي بدون بشار الأسد. وفي هذا الوقت، يطلق العنان لكتائب النظام تعيث فسادا وقتلا ودمارا في أنحاء سوريا، تحت الغطاء الجوي لأسطوله الحربي، وتحديدا في محافظة ادلب والغوطة. والأنكى من ذلك ان الاثنتين مشمولتين بنظام «خفض التوتر»! مع ذلك فان المعارضة المشرذمة والمغلوب على أمرها رفضت المشاركة ليصبح «مؤتمر سوتشي» مجرد لقاء نزهة بين حلفاء تجمعهم مصالح آنية مشتركة.
أكثر من ذلك، ورغم تخبط ترامب «العبقري» وعشوائيته فان الانتليجنسيا وقيادة البانتغون تتابع وتراقب ما يجري عن كثب. فقد استضافت واشنطن الأسبوع الماضي قائد «الجيش السوري الحر»، وتبعه لأول مرة وفد هيئة الائتلاف في المعارضة السورية فيما تتحرك القوات الاميركية علنا في شمال وجنوب سوريا فارضة نفسها على الأرض، غير آبهة بمناورات بوتين وبما يقرره في سوتشي...
أما في الميدان، بعكس ما يحاول ان يوحي به «المايسترو» الروسي، مازال هناك من هو صامد ويقاتل ويعاني من الحصار والجوع والموت مثل الغوطة التي تتعرض منذ خمس سنوات لحصار خانق وحرب قذرة تقارب الابادة على أيدي النظام. علما أنها ثاني منطقة من المناطق التي شملها نظام «خفض التوتر» الذي ينص على وقف أعمال العنف بين المتحاربين، وعلى ضمان وصول المساعدات الانسانية والطبية! قرابة نصف مليون سوري يتعرضون لقصف ميليشيات قادمة من كل حدب وصوب، من القرداحة وطرطوس، ومن الخارج من إيران والعراق ولبنان. قصف عشوائي يطال مدن وبلدات الغوطة التي تعيش حالة من الرعب. ويتم القصف من الجو عبر الحوامات والسلاح الثقيل. قصف همجي بربري، ولكنه منهجي يلف الغوطة من كل الاتجاهات ويستهدف اوتوستراد حمص- دمشق، والمتحلق الجنوبي، والعباسيين، وجوبر، وباب توما، والقصاع، وإدارة المركبات.
حرب قذرة لن تنال من عزيمة أهل الغوطة، ولكنها ستحفر عميقا في الوجدان والجغرافيا والاحاسيس. أما المعيب والمخزي فهو الصمت المريب الذي يلف مأساة هؤلاء الناس! لا احتجاجات ولا ادانات ولا من يرفع الصوت مطالبا بانقاذ مدينة تُحرق ونصف مليون سوري محاصر يتلقى آلاف القذائف الصاروخية على مدار الساعة. علما انها كانت احدى المناطق التي شملتها بدعة «مناطق خفض التوتر» التي اخترعها إله الحرب الروسي. حرب رائحتها طائفية كريهة أرادها «النظام العلماني» الذي يدافع عنه بعض الغرب بصفته هذه المُنتحلة، والذي يدّعي انه حامي المسيحيين والاقليات في الشرق.
فيما تستعر المعركة أيضا في ريف ادلب، رابع منطقة من «مناطق خفض التوتر» التي قتل فيها أكثر من مائة مدني، وأصيب ما يزيد على 200 آخرين في الهجمات الجوية المكثفة المستمرة منذ حوالي 3 أسابيع.
فهل تمارس موسكو الخديعة، أم انه قصر نظر من قبلها وزيادة اعتداد بالنفس؟ أمس أعلنت واشنطن أنها تعمل مع «فصائل سورية حليفة» لتشكيل قوة أمنية حدودية جديدة تتمركز على الحدود مع تركيا والعراق وعلى طول نهر الفرات. ما يعني تقويض كل مناورات موسكو ومخططاتها العسكرية والتفاوضية، ودفعها إلى الغرق شيئا فشيئا في الأوحال السورية!.

بقلم: سعد كيوان

سعد كيوان