كتاب وأراء

استعادة «خطاب العنصرية»

العبارات الأخيرة التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بحقِ العديدِ من شعوبِ العالم، خطيئة قاتلة، مُتخمة بالكراهيةِ، وتستعيدُ خطاب العنصريةِ الذي ساد في عقودٍ ماضيةٍ في الولايات المتحدة ذاتها. فبدا الرئيس الأميركي دونالد ترامب في «أقواله العنصريةِ» كموزعٍ وناشرٍ للحقائقِ العاريةِ، ينطق بما لا يجرؤ غيره على النطقِ به ثم يتبرؤون منه.
الرئيس دونالد ترامب، وعندما أطلقَ عباراتهِ الأخيرة، لم يَكُن في حالةٍ من عدم التوازن، بل كان عُنصريًّا وبامتياز، وبسابق إرادةٍ وتصميم، في تَوصيفه للأفارقة وشعوب هاييتي والسلفادور وبعض الدول بـ«الحُثالة»، كما تضمنت تصريحاتهِ عباراتٍ مسيئة حول الهجرة وصف فيها مهاجرين من إفريقيا وهاييتي بأنهم ينحدرون من «دولٍ قذرة»، في إهانةٍ لا مثيل لها، حيث لم ير المُتحدث باسم مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، روبرت كولفيل، من بدٍ، أو من إحراجٍ، في وصفِ تصريحاتِ الرئيس ترامب بأنها «عنصرية» و«صادمة»، و«مخجلة» من رئيس الولايات المتحدة. مكرراً قوله «أنا حزين، لا توجد كلمة أخرى يمكن أن يستخدمها المرء سوى عنصرية».
الطامة الكبرى، أنَّ عبارات وتصريحات الرئيس ترامب العنصرية، لم يُطلقها في اجتماعٍ سري أو مُغلق، بل خلال اجتماعٍ مع مستشاريه في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض، أثناء الحديث عن السعي لبلورةِ اتفاقٍ لاستعادة حماية المهاجرين كجزء من صفقة حول قوانين الهجرة، يحاول التوصل إليها الحزبان الجمهوري والديمقراطي.
والكارثة أيضاً، أنَّ تلك العباراتِ والأقوالِ جاءت على الملأ، وأتت على أبواب عيد ميلاد مارتن لوثر كينج الثامن والثمانين، والذي كان ناشطاً سياسياً من أجل الحقوق المدنية للأميركيين من أصلٍ إفريقي خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي. مارتن لوثر كينج، كان سلمياً في دعواته للمساواةِ والعدل الاجتماعي، وإنهاء التمييز العنصري ودعم الحرية وحقوق الإنسان، فدَخَلَ المعترك السياسي ضد العنصرية، وقاد احتجاجاتٍ غير عنيفة في كفاحه ورسالته وسط الناس في الولايات المتحدة، مبتغياً سلماً اجتماعياً، ومجتمعاً غير مُصاب بـ «عمى الألوان»، ومن اجل أن يُصبِحَ لون الشخص وشكله غير مؤثر على حقوقه المدنية.
ماتن لوثر كينج، قاد الاحتجاجات والمسيرات والاعتصامات الكبرى، وفي مسيرةٍ كبرى عام 1963 طالب بوضعٍ نهايةٍ لظاهرة التمييز العنصري في العمل، وفي تلك المسيرةِ قال كلمته الشهيرة «أنا لديَّ حلم». ليصبح خطابه إياه واحداً من الخطابات الأكثر شهرة في تاريخ الولايات المتحدة، لكنه اغتيل على يد أحد المتعصبين البيض بينما كان يَستَعِدُ لقيادة إحدى المسيرات الجماهيرية الحاشدة في سياق الكفاح من أجل المساواة والعدالة عام 1968.
لقد ذهب مارتن لوثر كينج، شهيداً من أجل العدالةِ والمساواةِ في الولايات المتحدة، والآن، وفي ذكراه، تأتي تصريحات الرئيس دونالد ترامب لتُعيدَ إنتاجِ الكراهيةِ، وتؤجج العنصريةِ، وتحضُ على التمييزِ بين البشر طبقاً للون البشرةِ، ولجذورهم القوميةِ والعرقيةِ، فما أقرب الأمس إلى اليوم، والخشية أن تتفاقم تلك النزعات من جديد.
بقلم : علي بدوان

علي بدوان